خوف!!

محمود هلال:

بدأ العام الجديد وأخذت أوراق الروزنامة تتساقط مثل أوراق الخريف، وبدأت أيام السنة تتناقص وبدأ العد التنازلي (وابتدا المشوار).. ولكن آه يا خوفي من آخر المشوار!

لقد ودعنا العام المنصرم بإطلاق الرصاص ابتهاجاً، لكن هذا الابتهاج أدى إلى وقوع ضحايا في أكثر من مكان، وتحول العيد عند البعض إلى حزن ومأتم، وعند آخرين إلى خوف وهلع وخاصة عند الأطفال.

ثمانية أعوام مضت عشناها بالخوف من أصوات الرصاص وسقوط القذائف وأصوات الانفجارات، ومن رصاص القنص، ومن الغدر، والخطف، والقتل والابتزاز، ومازال الخوف يرافقنا منذ الساعات الأولى للعام الجديد.. نقولها: كفى! كفانا خوفاً! شبعنا وأتخمنا، نريد أن نعيش بسلام!

لا شك أن الخوف هو حالة طبيعية ونفسية عند جميع الكائنات الحية وموجودة عند الإنسان منذ ولادته، وللخوف أنواع وحالات متعددة.. يخاف الأطفال من الظلام والأشباح واللصوص والحيوانات المفترسة، ومن الأشخاص الغرباء ومن فقدان الأهل ومن المدرسة ومن الأطباء ومن النار ومن كثير من الأمور.. والكبار أيضاً يخافو،ن وخوفهم يكون أصعب من خوف الصغار.

يمكن القول إن جميع الكائنات الحية تخاف من الموت بالدرجة الأولى، وتناضل من أجل البقاء على قيد الحياة والحفاظ على ذاتها.

الموظفون وأصحاب الدخل المحدود يخافون في بداية الشهر من الدائنين، وكيف سيوزعون الراتب (مقصوف العمر) على الأكل والشرب والكساء والدواء وفواتير الماء والكهرباء والصرفيات والنثريات التي لا يعلمون من أين تأتيهم.. ويخافون أن لا يجدوا مديناً لهم في آخر الشهر، وممن سيستلفون على الراتب، وهاجس الخوف يلازمهم طيلة أيام الشهر من تدني مستوى المعيشة أكثر نتيجة الغلاء وارتفاع الأسعار الجنوني، ويخافون من ارتفاعها أكثر من ثبات الرواتب والأجور وبقائها على حالها، الأمر الذي يشكل حالة خوف ورجفان في القلب عندهم طيلة أشهر السنة.

ويخافون أيضاً من استمرار أزمة المواصلات والازدحام والانتظار لساعات طويلة في الطرقات للوصول إلى أماكن عملهم، وكذلك في رحلة العودة إلى منازلهم.

خريجو الجامعات العاطلون عن العمل خائفون أن لا تأتيهم فرصة عمل تقيهم شر العوز والحاجة، وتبدد مخاوفهم بأنهم لن يبقوا عالة على أهاليهم طول العمر.

طلاب المدارس يخافون من الرسوب والفشل طيلة العام ويبقون في حالة قلق دائم حتى تظهر النتائج الامتحانية.

يخاف الناس من حلول فصل الشتاء، يخافون من البرد والصقيع والثلوج، ويخافون من انقطاع المحروقات من مازوت وغاز، ومن غلاء أسعارها، ومن طرق تأمينها، إذ أصبح تأمين بيدون مازوت أو أسطوانة غاز أمراً ليس سهلاً، وخاصة في المناطق التي لم تدخلها حتى الآن هذه المادة.

ومازال تجار السوق السوداء يتحكمون بالأسعار، وذلك وفق معايير المنخفضات الجوية، ويجري رفع السعر وخفضه وفق نشرة الأرصاد الجوية، فقد وصل في بعض المناطق سعر ليتر المازوت إلى 350 ليرة سورية هذا الشتاء.

وكما يقال البرد هو سبب لكل علة، الناس يخافون المرض، وباتوا يخشون زيارة الأطباء، إذ إن مراجعة الطبيب تخرب البيت، فمعظم الأطباء أصبحت كشفياتهم مرتفعة، وكذلك وصفات الدواء التي تكسر الظهر، وعادة في الشتاء المرض يكون جماعياً وتمرض الأسرة دفعة واحدة!

بقي نوع آخر من الخوف، وهو الخوف من المجهول، وهو حالة الشريحة العظمى من الناس هذه الأيام، ولكن يبقى الخوف الأخطر هو أن نغيب العقل والعلم ونعتمد على تنبؤات وتوقعات المنجمين آخر العام الذين يتنبؤون بكل شيء يخص أحوال البلاد والعباد من حرب وسلم وسياسة واقتصاد وطقس وكوارث وغيرها خلال العام، ويا خوف فؤادي إذا لم تصدق تنبؤاتهم بخصوص هبوط للدولار وانخفاض للأسعار، وتترك الحكومة مواطنيها قلقين تائهين حائرين خائفين!

العدد 1104 - 24/4/2024