محمد الأشمر… الشيخ المجاهد

من رجالات الثورة السورية الكبرى، مناضل عرف عنه الذكاء النادر والفراسة الكبيرة، وحسن الخلق والتلطف، والزهد، والإيثار، والمواظبة على العلم ونشره، هو الشيخ محمد الأشمر.

في حي الميدان الدمشقي ولد محمد بن طه بن محمد الأشمر عام 1894 وهو ابن لعائلة وبيئة دينية محافظة، وكان جده قد انتقل إلى دمشق من قرية سيجر قرب حماة، ثم انتقل أهله إلى قرية الغارية الشرقيّة من محافظة حوران.

نشـأ في جـو علمي فاضـل، تعلّم في كتاتيب قرية الغارية بحوران، كما اتصل بعلماء دمشق، فدرس علم الحديث على يد محدّث الشام الشيخ بدر الدين الحسني، ولازمه، وتلقى الفقه على يد الشيخ عبد القادر الشموط اثنتي عشرة سنة، كما تمرّس على الفروسيّة وركوب الخيل.

نذر محمد الأشمر نفسه للجهاد، فعند دخول قوات الثورة العربيّة الكبرى دمشق في 30/9/1918 كان في استقبالها مع رفيقه المجاهد أحمد مريود ابتهاجاً بتحرير سورية من تسلط القوميين الأتراك، وكانت أولى مشاركاته انضمامه إلى الثوار السوريين والتصدي للعدوان الفرنسي في معركة ميسلون 1920, ونظم بعد ذلك مع المجاهد أحمد مريود مظاهرة كبيرة في الميدان ضد المستعمرين الفرنسيين، فلاحقته السـلطات الفرنسـية، فالتجـأ إلـى منطقـة حـوران واتخذ من قرية الغارية الشرقية مقـراً لإقامته، وأخذ يتردد بين الشام وحوران إلى أن قامت الثورة السورية الكبرى فالتحق بها، وأصبح عضواً في المجلس الحربي الذي كانت مهمته جمع المعونات من التجار والأغنياء وكبار المزارعين، وتوفير السلاح والعتاد والمعيشة للثـوار، وكانت اجتماعات المجلس المكون من (نسيب البكري وفوزي القاوقجي وزكي الدروبي وسعيد العاص وغيرهم) تعقد في قرية (بالا) بغوطة دمشق.

الشيخ بدر الدين الحسني كلّف  الأشمر بأن يخرج إلى الغوطة ثائراً، وأن يعمل على جمع رجال الثورة فيها وتوحيد كلمتهم ووضع حدّ لخلافاتهم، ومنع التعديات على الناس بالقوّة، فخاض معاركه بين عامي 1925 و1927 وقاد المجاهدين في منطقة الغوطة، وأخذ يشنّ الغارات على المستعمرين الفرنسيين، وكانت أشهر معاركه:  معركة (يلدا) في الغوطة، و(بستان باكير) قرب حي الميدان الدمشقي، ومعركة (بستان البندقة) بين حي الميدان وكفر سوسة، ومعركة (مئذنة الشحم) في دمشق، ومعركة (جسر تورا) على طريق دوما، ومعركة (حي الميدان)، حيث وقف مئة من المجاهدين بقيادته في وجه وحدات عسكرية مدجّجة بأحدث الأسلحة، كما قاد المجاهد محمد الأشمر معركة قصر العظم حين هاجم الثوار قصر العظم في دمشق الذي كان يستخدم مسكناً للمندوب السامي الفرنسي وحاصروه، وجاءت كوكبة من المصفحات الفرنسية للنجدة، وما كادت تصل إلى مدخل البزورية حتى انهال عليها الرصاص من كل جانب وأُبيد أفرادها واحترقت مصفحاتهم عن آخرها، واستطاع الثوار أن ينفذوا إلى داخل القصر، وعلى رأسهم حسن الخراط ومحمد الأشمر وحسن المقبعة، وتمكن المندوب السامي ساراي من الهرب قبل وصول الثوار بدقيقة واحدة، ولم يستطع حراس القصر الذين أُبيد معظمهم من السيطرة على الوضع إلا بإحراق القصر، كما قام الأشمر ورفاقه بتدمير خطوط السكك الحديديّة التي يستخدمها الفرنسيّون، وتقطيع أسلاك الاتصالات الهاتفيّة والبرقيّة، ومطاردة الخونة والجواسيس، وعندما سيطر الفرنسيّون على الغوطة لجأ إلى حوران، واستقرّ في قرية داعل، فلما علم الفرنسيّون بوجوده فيها سيّروا حملة عسكريّة تؤيّدها الطائرات لاعتقاله، لكنّه استطاع كسر الطوق والخروج من القرية ممتطياً فرسه تحت قصف الطيران، وعبر نهر اليرموك واستقرّ في واحة الأزرق، ثم أقام في بلدة ناعور قرب عمّان ومكث فيها ثلاث سنوات، وخلال إقامته في الأردن شكّل فرقة عسكرية قوامها 600 مقاتل كانت تتخذ مدينة درعا مركزاً لعملياتها الهجوميّة عبر الحدود الأردنيّة. زار القدس ولقي الحاج أمين الحسيني، وعندما صدر العفو عنه سنة 1931 عاد إلى دمشق وأقام فيها، ولما ضرب الفرنسيّون المجلس النيابي السوري وقصفوا الأحياء، أقام سلطة شعبيّة في غياب الحكومة، فبسط الأمن، وضرب على أيدي اللصوص، وحمى الأسواق ومخازن الغلال، من أعمال النهب، وقام بتوزيع المجاهدين على أطراف المدينة لحمايتها، وردّ على العدوان.

كانت قضية فلسطين ومقدساتها الشغل الشاغل للأشمر، فعند اشتعال الثورة لفلسطينية 1936 التحق بها مع مجموعة من المجاهدين السوريين عن طريق شرق الأردن، وكانت منطقة نشاطه بمثلث نابلس ومنطقة طولكرم، وهناك خاض معارك عديدة كان أهمها معركة (بلعا) الثانية التي اشترك فيها أكثر من ألف مجاهد، كان نتيجتها هزيمة الإنكليز بعد أن فقدوا مئة قتيل، وأسقطت لهم طائرتان، كما اشترك في معركة (جبع) التي ثبت فيها مع رفاقه المجاهدين على سفح جبل ياصيد، واستطاعوا أن ينزلوا بالجيش البريطاني هزيمة منكرة، وكانت آخر معاركه في بيت آمرين، إذ قامت القوات البريطانية بمباغتة الثوار في قرية دير الغصون، وسقط عدد من الشهداء، فقامت قوات المجاهدين المرابطة في منطقة بيت أمرين بقيادة الأشمر بمهاجمة القوات البريطانية وأنزلت بها خسائر كبيرة قدرت بنحو 150 قتيلاً، كما أنه لم ينقطع عن مد يد العون والمساعدة للثوار الفلسطينيين بالمال والسلاح، فقد كان يستقبل الثوار الفلسطينيين في بيته ويؤمّن لهم كل متطلباتهم.

لقد أمضى (الأشمر) بقية عمره مجاهداً مناضلاً غير عابئ بالمناصب السياسيّة والمكاسب الماديّة، ساعياً لرأب الصدع ورصّ الصفوف.

وقد لبّى الأشمر الدعوة لزيارة الصين والاتحاد السوفيتي، واستمرت ستة أشهر،وجرى تكريمه بجائزة ستالين العالمية للسلام بين الشعوب، وتقلّد وسامها في دمشق يوم 17/3/1955.

توفي الشيخ المناضل محمد الأشمر في دمشق عام ،1960 وأقام الخيّرون من أهل دمشق مسجداً باسمه في حي الزاهرة تخليداً لذكراه، وألّف في سيرته عدد من الدارسين السوريين كتاب (المجاهد الصامت الشيخ محمد الأشمر ـ سيرته وجهاده).

 كما كرمته الحكومة السورية، فأطلقـت اسـمه علـى واحدة من أكبـر ساحات دمشق ساحة المجاهد الشيخ محمد الأشمر في مدخل دمشق الجنوبي في حي الميدان، وأقامت لهذه الغاية نصباً تذكارياً، كما أطلقت الدولة اسمه على مدارس ومؤسسات خيرية اعترافاً ببطولته الخالدة.

العدد 1096 - 21/2/2024