لروح أبي.. باقة وفاء وحنين
ما زالت صورتك ترافق مخيلتي كلَّ فجرٍ وأنت تستعد لرحلتك اليومية…
ما زالت رائحة الشاي تعبق في أرجاء ذاكرتي وأنت ترشف قطراته كلّ صباح…
ما زال وقع خطاك يرنُّ في مسمعي معلناً ولادة يوم جديد…
إيذاناً برحلة عمل نشاطرك فيها الأعباء…
ما غبت يوماً عن حياتنا رغم سفرك الطويل…
حضورك بيننا أزليّ رغم امتداد الفراق…
حاضر بحنانك الذي افتقدناه.. ودفء روحك الذي خسرناه…
لم أشعر بك أباً بقدر ما كنت صديقاً، صداقته مستترة بتلافيف عباءة الأبوّة، لتغدو أبوّة نادرة في زمنٍ لديك من الإناث عشر، وبيت خالٍ من ذَكَرٍ يحمل اسمك ويخلّد ذكراك…
لم نشعر يوماً أننا عبء ثقيل يرهق كاهلك… ولم نحسّ بالأسى لأننا لا أخ لنا، كما باقي البنات، فكنت الأخ، والأب والصديق…
هو ذا أبي الذي لا يشبه آباء جيله سوى لجهة القراءة والكتابة اللتين كان يلمُّ بهما بعض الشيء، غير أنه في باقي قضايا الحياة والتربية كان منفتحاً بشكل يلفت الانتباه ويثير الاستغراب، خصوصاً أنه عسكري في الجيش، ونحن عشر بنات لا ذَكَر بيننا يحمل اسم العائلة ويخلّد ذكراه حينذاك، في زمنٍ كانت كثرة البنات في بيت ما تستدعي الشفقة والأسى، لكنه كان دائماً يُفاخر بنا ويُصرّ على تعليمنا رغم الوضع المادي الضيّق الذي كنّا نعاني منه، فقد كان مؤمناً أن لا حصانة ولا حماية للفتاة سوى شهادتها العلمية، لأنها تفتح لها آفاق المستقبل والحياة وتحميها من غدر القدر.
رفض أن يتركنا لمصير أنثوي تقليدي، بل شرّع لنا أبواب الحياة على مصراعيها.. نُبحر في دروبها غير هيّابات من أي شيء.. مع أن أمثاله من آباء لديهم هذا العدد الكبير من البنات، يسعون دائماً للخلاص من همّ البنات بتزويجهنَّ باكراً، بينما اتبع هو قاعدة مفادها رفض حضور أيِّ خاطب للبيت قبل أن تحصل الواحدة منّا على الثانوية العامة على أقل تقدير.
لا أنسى ما حييت يوم قررتُ عدم التقدّم لامتحان الثانوية العامة، لأنني غير متمكنة من دراستي التي قلّصت مساحتها أعباء البيت والدكّان ورعاية الأخوات…لا أنسى كيف حاول إقناعي بمنتهى الحنان والأمان.. ولمّا كابرت على عنادي… صرخ بي قائلاً: لا يمكن أن أدعك تدمّرين مستقبلك.. رغماً عنك ستتقدمين للامتحان!
وهكذا كان.. أنقذني أبي من دمار محتّم في ظل زواج عاثر.
بعد تقاعده من الجيش افتتح كشك خضار، لأنه لا يملك ثمن محل تجاري، كنّا نساعده في عمله رغم أن وجود الفتاة في محل كهذا أمر غير مرغوب فيه حينئذ، لكنه تعامل معه ببساطة من منطلق قناعته بقدرة الفتاة على القيام بما يقوم به الفتى، وإذا راودنا الخوف يوماً من موقف ما، أو تهيّبنا من شيء ما، كان يدفعنا بقوة للابتعاد عن الهزيمة والشعور بالانكسار، فكنّا من أوائل الفتيات اللواتي امتطين الدراجة الهوائية مثلاً لتلبية احتياجات المحل والبيت.
لم يشعرنا يوماً بفراغ حياتنا من أخ ذكر، بل على العكس تماماً، كان حنوناً، دافئ الروح والقلب، طيّب المعشر، نقي السريرة نحونا على وجه الخصوص ونحو الآخرين عموماً.
إضافة إلى أنه كان ديمقراطياً ومحاوراً لنا في قضايانا المصيرية كالزواج مثلاً، كان مؤمناً بحقّنا في الحب واختيار الشريك، فلم يقف في وجه خياراتنا، ولم يفرض علينا خياراً لا نريده، لأنه كان يحترم خياراتنا ويثق بها، إضافة إلى أنه تعامل مع مسألة المهر بكل موضوعية، فلم يشأ أن يقايض علينا أو على شهاداتنا كما هو سائد اليوم، وفي ذلك الزمان، لأنه كان يعرف أن المغالاة بالمهر تعني ديوناً مستقبلية تُضّر بحياتنا.
ويمكنني أن أضيف أمراً غاية في الأهمية قياساً لذلك الزمان، وهو مسألة الانتماء السياسي، فقد كان لنا قدوة، ومحاوراً إيجابياً وفعّالاً رغم أن بعضنا اختلف عنه في الانتماء، كان يحترم ذلك ويناقشنا بكثير من القضايا السياسية الهامة في ذلك الوقت.
وإذا أردت أن أراه بمنظار الزوج، فقد كان مع الوالدة راقياً لجهة الحب والاحترام والتقدير، مع أنهما تزوجا زواجاً تقليدياً بحتاً، لكنه تعامل معها على أساس المساواة بينهما في كل مناحي الحياة، كان يثق بها ثقة لا محدودة.
لم يقيّدها يوماً بأوامر أو أفكار، وإنما كانت لها الحرية المطلقة في بيتها وتربيتها للأولاد، لم ينظر إليها يوماً أنها لم تنجب له الذكر، بل كان يشعرها بكل الدفء والمودة عندما تضع مولودة أنثى. والمفارقة أنه لمّا جاء المولود الذكر بعد عشر بنات تعامل معها ببساطة لا متناهية، فلم يشأ أن يشعرنا أو يشعر والدتي بأهمية الحدث ولو ظاهرياً، كان عادلاً تماماً بيننا وبين باقي إخوتي الذكور (صاروا خمسة ذكور).
فإذا أردنا أن نجري مقارنة بينه وبين بعض الآباء والأزواج في وقتنا الراهن لوجدنا أنه أكثر رقيّاً وتحضّراً، إضافة إلى تلك التربية البعيدة عن التمييز بين الذكور والإناث خصوصاً لجهة الاحتفاء بالإناث على طريقته العفوية والحضارية تلك. كم كنت في مراهقتي أحلم بأن يكون زوج المستقبل شبيهاً بوالدي، في تعامله وحنانه ورقيّه، لكن هيهات للأحلام أن تتحقق…