يوم واحد.. وهل يكفي لنفي آباءنا حقهم؟

 يحتفل العالم في الحادي والعشرين من شهر حزيران من كل عام بـ(عيد الأب)، في بادرة إنسانية وفيّة، وذلك لتنمية الروابط الأسرية وتنمية المجتمع، فالأب هو الراعي الأساسي للأسرة، هو المعلم الأول لأبنائه، فمنه يستمدّون قيم المحبة والود والشجاعة والكرم والوفاء، فهو قدوتهم في كل شيء، ويساهم بشكل كبير في تربية أطفاله وتنشئتهم التنشئة السليمة، وإعدادهم ليتمكنوا من الانخراط في الحياة ومواجهة ما يعترضهم من مشاكل وصعاب جمة، لأنه الحكيم والمستشار الذي يرجعون إليه حين اتخاذ أي قرار في حياتهم، مما يخلق لديهم توازناً عاطفياً يبعد عنهم شبح التشتت والضياع.

إضافة إلى ذلك، فإن الأبناء يستمدون من خبرة الآباء في الحياة دروساً يستفيدون منها في حياتهم اليومية، فهو القائد الذي يقودهم للخير أينما كان، ويرشدهم إلى كل ما يعود بالنفع والفائدة عليهم وعلى مستقبلهم أيضاً، ليُعلّم أبناءه معنى الحياة. فوجود الأب في الأسرة يعني الأمان والرعاية والحماية، أماناً وحناناً مختلفين عمّا تمنحه الأم ذات القلب الدافئ والحب اللامتناهي، لأن الابن بحاجة دائماً إلى قوة ذات سلطة رادعة تردعه عن الوقوع في الخطأ، وحتى إن وقع فيه، يجد أباه إلى جانبه، ينصحه كي يتعلم من أخطائه، ويستمع إلى آرائه وأفكاره، ويشاركه أفراحه وأحلامه ، فيمسح رأسه ويربت على كتفه إعجاباً منه بأفعاله.

وقد يعبر الأب بالكلمات التشجيعية عن تقديره لما يقوم به الابن، هذه الكلمة من الأب لها مفعول سحري في إيقاظ حب الخير في نفس الابن، فتبعث فيه الحماس للقيام بالأعمال الخيّرة، مما يساهم في تعزيز ثقة الطفل بنفسه واحترامه لذاته.

لذلك، فإن الأب يسَخّر حياته كلها لتوفير حياة هانئة لأولاده، يكدّ ويتعب ويشقى لتوفير لقمة العيش لهم، إضافة إلى مستلزمات الرفاهية التي لا يستطيعون التخلي عنها، مما يضطره إلى الغياب عن المنزل لفترات طويلة، فهو بذلك يرضخ لظروف قاهرة خارجة عن إرادته، وخاصة في ظل الأوضاع الراهنة من غلاء في المعيشة، وحرب مدمرة جعلته إمّا يسافر للخارج بحثاً عن عمل يكون مورد رزق لأولاده، أو يضطر للعمل في دوامين أو في ساعات عمل إضافية لتوفير ظروف معيشية أفضل لأبنائه وأسرته.

ولكن ربما يختار الأب هذا الغياب، ليكون دوره مهمّشاً، فيتنازل للأم عن واجباته ومسؤولياته تجاه الأسرة ، ليصبح كالضيف، لا يسأل عن أولاده ولا يهمه أمرهم، وتأخذه الدنيا ومشاغلها عنهم، فتتسع فجوة الغياب التي ترخي بآثارها السلبية على الأبناء بالذات وحالتهم النفسية والعاطفية، حتى وإن كانت الأم – في كلتا الحالتين- تقوم بدور الأب والأم معاً لتعويض غياب الأب، فهي لن تنجح في ذلك، لأنها لا تستطيع هي نفسها أن تتناسى أو تتجاهل ألم الغياب.

لذلك كله، فإن جميع انشغالات الأب لا تعفيه من مسؤوليته تجاه أبنائه وأسرته مهما تعددت هذه الانشغالات وتراكمت، وخاصة في ظروفنا الحالية، لأنه باختصار مصدر قوة العائلة ومنبع أمانها وفخرها، ودوره لا يقل عن دور الأم أهمية، فكلاهما كالوتدين في بناء الأسرة، لا يمكن التخلي عن أحدهما، لأن ذلك يعرّضها لتفكُّكٍ وتخلخل عاطفي ونفسي واجتماعي كبير.

إذاً، هذا الرجل العظيم، بكل ما يتحلى به من شجاعة وإيثار وحنان وتضحية وعطاء، هل يكفيه يوم واحد.. لنفيه حقّه؟

بالطبع لا، فكل أيام السنة لا تساوي شيئاً أمام من جاب المخاطر من أجل الحفاظ على أسرته وتأمين الحياة السعيدة الهانئة لهم..فكلّ يوم، وكلّ عام وجميع الآباء بسلام وأمان وطمأنينة بين أفراد أُسرهم.

العدد 1140 - 22/01/2025