التاريخ الإنساني ومسألة الاغتراب
يونس كامل صالح:
لقد كان الإنسان دائما كائناً اجتماعياً، وهي خاصة من أهم الخصائص المميزة لهويّته، ومع ذلك كان تاريخ الإنسانية تاريخ اغتراب دائم، كما كان كل تقدم حققه خلال ذلك التاريخ الطويل عامل اغتراب على مستويات مختلفة.
كان الإنسان المبكر جزءاً من الطبيعة التي يرتبط بها أشد الارتباط، ثم تراجعت هذه الرابطة بتطور وتقدم الحياة الحضرية ونشأة المجتمع الصناعي، وتدهور المجتمع الرعوي الزراعي، حيث يرتبط الإنسان بالأرض. وأدى ذلك إلى ظهور أشكال غريبة من الاغتراب، وهو الاغتراب في العمل. ثم تفاقمت الأزمة بالانفصال الكامل بين العمل اليدوي والعمل الذهني ما هو عليه الآن. وبالرغم من كل التقدم العلمي والتكنولوجي ظل المجتمع الإنساني عرضة لبعض القوى المناوبة، التي لا يستطيع التحكم فيها، وتثير قلقه حول المستقبل، وتفرض عليه حالة اللايقين سياسياً واقتصادياً، وعدم الثقة في الذات والقدرات والنتائج وفي مؤسسات المجتمع ونظمه، وبضمنها أنماط القيم الأخلاقية بل والمعتقدات الدينية، وكلها أزمات لا يزال العلم عاجزاً عن حلها.
لقد بينت كتابات علماء الاجتماع المختلفة والكثيرة عن ظاهرة الاغتراب أنها تتخذ اشكالا مختلفة. ولكن بالرغم من التفاوت والتباين في المواقف، فإنها تشترك في خصائص وملامح معينة يمكن رصدها بسهولة لدى الفرد والجماعة. فالمفهوم يشير إلى أمور معينة بالذات، مثل الانسلاخ عن المجتمع والعزلة والانعزال والعجز عن التلاؤم والإخفاق في التكيف مع الأوضاع السائدة في المجتمع واللامبالاة وعدم الشعور بالانتماء، بل وأيضاً انعدام الاحساس بالحياة إلى جانب الانطواء على الذات والتنكر للمشاعر والعواطف الذاتية والمعافاة من عذاب الوحدة والعجز عن التواصل مع الآخرين والتعامل معهم وصعوبة فهم المجتمع الذي يعيش فيه أو صعوبة تقبّله.
إن الاغتراب هو ظاهرة يمكن رصدها في ظل أنماط الحياة الاجتماعية، حين تتوافر شروط وظروف معينة، كما أن شدة هذه الظاهرة ومدى شيوعها تختلف باختلاف الثقافات والاوضاع الاجتماعية. وعلى الرغم من كل ما أحرزته التكنولوجيا والعلم من تقدم وازدهار، فإن ذلك لم يفلح في القضاء على تلك اللعنة، بل ربما قد أسهم في استفحالها وانتشارها وظهور أشكال جديدة قد تختلف في مظهرها وتجلياتها الظاهرية عن المظاهر التي سجلها الفكر الماركسي حين تناول ظاهرة الاغتراب في العمل في المجتمع البورجوازي الصناعي، بل قد تكون أشد وطأة على المقومات الإنسانية المألوفة.
وتتنوع مظاهر ومجالات الاغتراب الجديد تمشّياً مع أوضاع الحياة المعاصرة المعقدة والمتقلبة، وأصبحنا نجد من العلماء من يتحدث عن الاغتراب عن البيئة، كما يتمثل في العلاقة المتأزمة بين الإنسان والظروف البيئية واعتداء الإنسان على البيئة من ناحية، ورد الفعل المعادي من البيئة، كما يظهر ذلك على سبيل المثال في الاحتباس الحراري ودورات الطبيعة المتلاحقة. كما نجد من يتكلم بكثرة عن الاغتراب في نوعية الحياة نتيجة لازدياد وطأة العولمة، وقياس مكانة الإنسان المعاصر بمعايير مجتمع الاستهلاك، وليس بمعايير القيم الاجتماعية والاخلاقية، أو بمعايير الكرامة الإنسانية، وذلك فضلاً عن الآثار السلبية المترتبة على ازدياد القهر والهيمنة السياسية والاقتصادية وهكذا.
وقد أدت هذه التطورات السريعة في مجال العولمة وتكنولوجيا الاتصال الإلكتروني إلى تراجع دور الفرد في كثير من العمليات المعقدة، وظهور من يتولى القيام يذلك الدور نيابة عنه، فهو بالنسبة لها مجرد رقم كغيره من الأرقام في نظام لا شخصاني إلى أبعد الحدود. وهذه صورة جديدة ومتطورة من اغتراب العمل الذي تحدث عنه ماركس منذ زمن طويل في بداية الأمر. والطريف هنا أن بعض الكتابات التي تتعرض للاغتراب الجديد تشير إلى ما يسمى بجهاز خدمة العملاء لتسهيل الإنجاز، ولكنه في الواقع يؤدي إلى المزيد من الاغتراب، لأنه يفصل الشخص عن مجرى العمليات التي تتعلق بشؤونه الخاصة، كما يفرض حدوداً وقيوداً على التواصل بين أطراف العملية. كذلك الحال بالنسبة لوسائل الإعلام والإعلان التي تقوم الآن في مجال التجارة الإلكترونية بعمليات افتراضية لا شخصانية من خلال الفضاء الافتراضي، كما يساعد الإعلان على ترويج السلع دون أن يتحقق المستهلك بنفسه من خصائص السلعة التي سوف يستخدمها في حياته اليومية، أو حتى يتأكد من مدى احتياجه الحقيقي لها، لقد خضع تماماً لسلطان الإعلان وانفصل عن احتياجاته أو اغترب عنها. ويزداد الآن الحديث عن موضوع الإنسان الآلي وعن الذكاء الصناعي، الذي يصبح واقعاً، والذي وجد الموضوع سابقاً طريقه إلى الخيال العلمي الذي يكشف عن تضاؤل الإنسان أمام الآلة التي يقوم هو بتشكيلها وصنعها وإنتاجها لخدمته، فإذا بها تتمرد عليه وتخضعه لسلطانها وتتفوق عليه. وترمز تلك الكتابات إلى طبيعة المجتمع المعاصر اللا إنسانية وغيابها عند التعامل بين الناس، بحيث لم يعودوا قادرين على التحكم في أقدارهم ومصائرهم أو تحديد مستقبلهم بدرجة عالية من اليقين. فالمشاهد الآن هو أن ما يبتكره الإنسان وينتجه بيديه وعقله لن يلبث أن يتحول ضد الإنسان الذي أبدعه في ظل علاقات اجتماعية غير عادلة، وبذلك تصبح تلك الإبداعات مصدر عبودية للفرد وتسلبه قدراته على اتخاذ القرارات بنفسه وعلى توجيه حياته بدلاً من أن تساعد على توسيع مجال حريته.. وبعد:
كان الرومان يعتبرون العبيد على أيامهم مجرد آلات ناطقة أو صوتية، أي أنهم فاقدون لجوهر الإنسانية والعقل المفكر والارادة الحرة. ويبدو أن هذا ينطبق إلى حد كبير على كثير من البشر في المجتمع المعاصر، وهو مجتمع ما بعد الحداثة وما بعد الصناعة ومجتمع العولمة المتغولة، حيث تتوافر عوامل كثيرة تعمل على هدم إنسانية الإنسان وشعوره بآدميته، وتجعل منه شيئاً أقرب إلى الآلة الصوتية أو الناطقة كما هو الحال في مجتمعات عالمنا الثالث بوجه خاص. ويعتبر كثير من المفكرين إحلال الآلة محل البشر وتحكمها فيه نوعاً من النكسة الأخلاقية التي أصبحت أحد ملامح الحياة الجديدة وأنها ستكون سمة المستقبل وجزءاً من تفكير البشر. فهل هناك من خلاص؟