الخصخصة في سورية.. إصلاح اقتصادي أم بيع لأصول الدولة وإعادة توزيع للثروة؟

سليمان أمين:

تقف سورية اليوم أمام أحد أكثر التحولات الاقتصادية حساسية في مرحلة ما بعد الحرب، فبعد عقود من هيمنة الدولة على قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي، تتجه السياسات الجديدة نحو توسيع دور القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وإعادة هيكلة المؤسسات العامة، وفتح المجال أمام الشراكات الاقتصادية. ويبدو هذا التحول، من الناحية النظرية، استجابة ضرورية لاقتصاد أنهكته الحرب، وتراجعت قدرته الإنتاجية، وتآكلت بنيته التحتية. لكن السؤال الذي يفرض نفسه ليس ما إذا كانت الخصخصة ضرورية أم لا، بل كيف ستُنفّذ، ومن سيستفيد منها؟ وما إذا كانت ستؤسس لاقتصاد تنافسي أم ستعيد توزيع الثروة العامة بين قوى اقتصادية محدودة؟

 

من اقتصاد الدولة إلى اقتصاد السوق

لم تكن المؤسسات الحكومية السورية مجرد شركات تقدم خدمات أو تنتج سلعاً، فقد شكلت لعقود جزءاً أساسياً من بنية الاقتصاد الوطني، خصوصاً في قطاعات الصناعة والطاقة والنقل والاتصالات. غير أن سنوات الحرب، وسوء الإدارة، والفساد، ونقص التمويل، وتراجع الاستثمارات، حولت عدداً كبيراً منها إلى مؤسسات مثقلة بالخسائر والديون، وتعاني من ضعف الإنتاجية والتكنولوجيا. وتواجه سلطة الأمر الواقع اليوم معضلة حقيقية: الاستمرار في تمويل مؤسسات خاسرة من موارد عامة محدودة، أو إعادة هيكلتها، أو إشراك القطاع الخاص في إدارتها وتمويلها، وصولاً إلى بيع بعضها. وقد تناولت تقارير صحفية دولية خططاً لإعادة هيكلة شركات عامة خاسرة، مع التوجه إلى خصخصة بعضها أو إغلاقها، والإبقاء على أصول استراتيجية في قطاعات الطاقة والنقل تحت سيطرة الدولة.

من حيث المبدأ، لا يمثل الانتقال إلى اقتصاد السوق خطأً اقتصادياً بحد ذاته. فالقطاع الخاص يستطيع، في ظروف تنافسية مناسبة، تحسين الكفاءة التشغيلية، وتطوير التكنولوجيا، وتوفير التمويل، وخلق فرص العمل. لكن التجارب الدولية تظهر أن نجاح الخصخصة لا يرتبط بمجرد نقل الملكية، بل بوجود مؤسسات رقابية مستقلة، وقضاء قادر على إنفاذ العقود، وقوانين تمنع الاحتكار وتضمن تكافؤ الفرص.

 

الخصخصة ليست وصفة سحرية

تكمن المشكلة في الخلط بين ثلاثة مسارات اقتصادية مختلفة: إعادة هيكلة المؤسسات العامة، والشراكة بين القطاعين العام والخاص، والخصخصة الكاملة.

فإعادة الهيكلة تعني إصلاح الإدارة والتمويل والإنتاجية مع بقاء الملكية العامة، بينما تسمح الشراكة للقطاع الخاص بتشغيل أو تطوير مرفق معين وفق عقد محدد، أما الخصخصة فتعني نقل الملكية أو السيطرة إلى القطاع الخاص. وهذا التمييز ليس تفصيلاً قانونياً، بل يحدد مستقبل الأصول التي راكمها السوريون عبر عقود، ومقدار العائد الذي ستحتفظ به الدولة، ومدى قدرتها على حماية الخدمات الأساسية. وتشير توصيات صندوق النقد الدولي في شباط (فبراير) 2026 إلى أهمية تحسين حوكمة الشركات المملوكة للدولة وعملياتها التشغيلية لتعزيز الكفاءة والجدوى المالية. وهذه المقاربة تفتح الباب أمام الإصلاح المؤسسي قبل اللجوء إلى البيع، بدلاً من التعامل مع الخصخصة باعتبارها الحل الوحيد لكل مؤسسة خاسرة.

 

من يحدد قيمة الأصول؟ ومن يشتريها؟

هنا تبدأ المخاطر الأكثر حساسية في الحالة السورية. فبيع مؤسسة عامة في اقتصاد مستقر يختلف جذرياً عن بيعها في بلد خرج من حرب طويلة، ويعاني ضعف البيانات المالية، وتعقيدات الملكية، وتراجع القدرة الشرائية، ونقص المنافسة. فكيف يمكن تحديد القيمة الحقيقية لمصنع أو ميناء أو شركة اتصالات إذا كانت الأصول متضررة، والسجلات المالية غير مكتملة، والأراضي المرتبطة بها تحمل نزاعات قانونية؟ ومن يضمن أن عملية البيع لن تنفّذ بأقل من القيمة الاقتصادية الفعلية؟

وتزداد أهمية هذه الأسئلة في ظل التحولات المتعلقة بإدارة الأصول العامة والمصادرة. فقد كشفت تقارير صحفية في تشرين الأول (أكتوبر) 2026 عن دور متزايد للصندوق السيادي السوري في إدارة أصول وشركات وعقارات، وعن شراكات استثمارية كبيرة، وسط تساؤلات بشأن مستوى الإفصاح والحوكمة والرقابة على ممتلكاته. وهذه القضية لا تعني أن الصندوق يمثل خصخصة مباشرة، لكنه يضع مسألة ملكية الأصول العامة وإدارتها ومساءلة القائمين عليها في قلب النقاش الاقتصادي. إن غياب التقييم المستقل والمناقصات التنافسية والإفصاح عن المالك المستفيد النهائي قد يحول الخصخصة من أداة إصلاح إلى وسيلة لإعادة توزيع الثروة بعيداً عن الرقابة العامة.

 

الاحتكار العام أم الاحتكار الخاص؟

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن خروج الدولة من قطاع اقتصادي يؤدي تلقائياً إلى المنافسة. ففي قطاعات مثل الكهرباء والمياه والموانئ والاتصالات، قد يؤدي بيع مؤسسة عامة واحدة إلى إنشاء احتكار خاص، خصوصاً عندما تكون كلفة دخول منافسين جدد مرتفعة. وإذا انتقلت ملكية مرفق أساسي إلى شركة خاصة دون وجود هيئة تنظيمية مستقلة، فقد يجد المواطن نفسه أمام خدمة أكثر تكلفة، فيما تتحول الأرباح إلى الخارج أو إلى مجموعة محدودة من المستثمرين. لذلك، لا يكفي أن تسأل الحكومة عن السعر الذي سيقدمه المستثمر، بل يجب أن تسأل أيضاً عن التزاماته الاستثمارية، وجودة الخدمة، والتعرفة، وحقوق المستهلكين، وعدد الوظائف التي سيحافظ عليها أو يوفرها.

 

الاستثمار الأجنبي ومخاطر التبعية

تحتاج سورية إلى الرساميل والخبرات والتكنولوجيا، ولا تستطيع إعادة بناء اقتصادها اعتماداً على الموارد الحكومية وحدها. وقد وسّعت التعديلات الاستثمارية الصادرة عام 2025، بموجب المرسوم رقم 114، إمكانات الملكية الأجنبية الكاملة للمشروعات، وقدمت حوافز ضريبية وجمركية واسعة. ولكن جذب المستثمر لا ينبغي أن يكون غاية منفصلة عن المصلحة الوطنية. فالإعفاءات غير المحددة زمنياً، والتنازلات الواسعة عن الإيرادات العامة، ومنح امتيازات حصرية، قد تجعل الدولة تدفع تكلفة مرتفعة مقابل استثمارات لا تخلق قيمة مضافة كافية للاقتصاد المحلي. فالمعيار الحقيقي ليس حجم الاتفاقيات المعلنة، بل عدد الوظائف المستدامة، ونسبة المكون المحلي، ونقل التكنولوجيا، وحجم الصادرات، والإيرادات الضريبية التي ستعود إلى الخزينة العامة.

 

أي نموذج اقتصادي تحتاجه سورية؟

لا تحتاج سورية إلى العودة إلى نموذج الدولة التي تدير كل مصنع ومتجر ومؤسسة، كما لا تحتاج إلى نموذج تتخلى فيه الدولة عن دورها الاقتصادي والرقابي. ما تحتاجه هو دولة تنظيمية قوية، تضع القواعد وتحمي المنافسة، وتحتفظ بالسيطرة الاستراتيجية على الموارد الطبيعية والمرافق الحيوية، وتتيح للقطاع الخاص الاستثمار ضمن بيئة قانونية شفافة. ويتطلب ذلك إنشاء هيئة مستقلة لإدارة برنامج الخصخصة، ونشر تقييمات الأصول قبل بيعها، وإجراء مزادات ومناقصات تنافسية، والإعلان عن المستفيدين النهائيين، وإخضاع العقود لتدقيق مستقل ورقابة برلمانية وقضائية. كما ينبغي تخصيص جزء واضح من عائدات البيع للاستثمار في التعليم والصحة والبنية التحتية، لا استخدام الأصول العامة لتغطية النفقات التشغيلية والعجز قصير الأجل.

 

الاختبار الحقيقي للإصلاح

إن نجاح الخصخصة في سورية لن يقاس بعدد المؤسسات التي خرجت من ملكية الدولة، ولا بحجم الاستثمارات التي جرى الإعلان عنها، بل بقدرتها على رفع الإنتاجية، وتوسيع قاعدة الوظائف، وتحسين الخدمات، وتخفيض كلفة الإنتاج، وتوزيع ثمار النمو بصورة أكثر عدالة. فالخصخصة قد تكون مدخلاً لإصلاح اقتصاد أنهكته الحرب، لكنها قد تتحول أيضاً إلى عملية نقل للثروة العامة إذا سبقت بناء المؤسسات الرقابية والقانونية. وفي بلد يحتاج إلى إعادة بناء اقتصاده ومؤسساته معاً، لا ينبغي أن يكون السؤال: كم تستطيع الدولة أن تبيع؟ بل: ماذا ستبقى الدولة قادرة على حماية إدارته؟ ومن سيضمن أن تتحول الأصول العامة إلى ثروة وطنية منتجة؟

فسورية لا تحتاج فقط إلى اقتصاد جديد، بل إلى عقد اقتصادي جديد يضمن ألا يتحول التعافي إلى فرصة لاحتكار الثروة، وألا يدفع المواطن مرة أخرى ثمن أخطاء لم يكن شريكاً في صنعها.

العدد 1222 - 04/11/2026