لا يمكن أن ينشأ الشعور بالقيمة خارج دائرة الثقافة السائدة
يونس كامل صالح:
لا شك أن هناك العديد من الموضوعات الكونية والمحلية ذات الطابع السياسي التي تهم المواطن عندنا. ومن الضروري تناول تلك الموضوعات على اختلافها من خلال العلاقة بين العام والخاص، ومن خلال الانتقال من الكوني إلى المحلي. وهناك-بداية- إشكالية هي إبطال المواطن، باعتبار أن تلك القضية- بامتداد التاريخ- تظل أشد بؤر التوتر السياسي اندلاعاً. حيث يتحدد طبقاً لها مدى نجاح أي مجتمع في قدرته على وضع تنظيم يسمح بحسن أداء الحقوق المدنية والسياسية لأفراده، والتي هي في أساس أي عقد اجتماعي بين الأفراد والمجتمعات.
ففي العصر الحديث، كثيراً ما يفقد الإنسان حق المواطنة تحت ضغط أجهزة الدولة التي تمارس القمع، والتي تمتلك حرية قصوى بلا تقنين، إذ تدعي امتلاك المعرفة والمعلومات التي تصنع يقينها الخاص. وهي- في علاقتها مع المواطنين- لا تحكمها معايير أو مرجعية تحدد الحقوق والواجبات سوى سلطتها التي تحتكر الفهم والتنفيذ. إن هذا القمع لا يمكن أن يحدث إلا نتيجة لغياب مؤسسات المراقبة والمراجعة والمساءلة. وهذا التراجع الرقابي عادة ما يؤدي إلى أن يبرر العنف على الدوام كقوة غير قابلة للاستنفاد في مجتمعات القمع. ثم هناك أمية المشاعر، التي قد تحيط بالفرد من كل جانب، فتجعله يتنازل عن أجزاء من إنسانيته. ودون شك أن استحقاق الاقتدار هو فعل ذاتي بالأساس، غير أن مسلسل الإكراه الذي يتولد عن (أمية المشاعر) لدى الآخرين، عادة ما يعوق هذا الفعل، وهنا من الضروري إيجاد مؤسسات وصروح تكون مهمتها تربية المشاعر ثقافياً، وبالتالي فإنها تغدو حارسة لمجتمعاتها من الضعف والتبدد، لأنها هي التي تمنح الإنسان مفهوما لوجوده، ومعنى لحياته.
وفي هذا السياق لا بد من التطرق إلى محاولات الإصلاح من الخارج على شعبنا أو الشعوب العربية، وهي أيضاً الهاجس الذي يؤرق الجميع شعوباً وأنظمة، لم يحمله- ضمنياً- من اختراق لجدار القوقعة التي تحتمي بها القيم. ولأن القيم هي- بالأساس- أنساق معنوية غير منظورة بقدر ما هي معتقدة، فإن الاعتقاد والتصديق والثقة هي ما يشكل لدا الإنسان شعوراً خاصاً جداً، وهو ما يسمى ب “شعور القيمة”. ومن المؤكد أن هذا الشعور لا يفرض أكراها، ولا يمكن افتراضه كما أنه لا يعار. ومن المؤكد أيضاً أن الإنسان لا يستطيع أن يعيش من دون مظلة هذا الشعور، بل إنه لا يمكن أن ينشأ الشعور بالقيمة خارج دائرة الثقافة السائدة. فالتغيير إذن لا يتم من الخارج، بل من الداخل على الرغم بأننا لا نستطيع إغفال التأثير الخارجي الذي يتزايد وزنه مع التطورات العاصفة التي تجري في العالم.
كما أن محاولات الإصلاح التي تتم من خلال تقديم وصفات جاهزة لا تراعي تعدد نوعية مجتمعات في المنطقة عندنا، فإنها لا تنتج- أساساً- الشروط الحقيقية الملائمة لتحقيق هذا الخطاب المستقبلي الذي تتضمنه.
وأخيراً، إن تجاوز مازقنا التاريخي لا يمكن أن يتحقق عبر تقديم وصفات جاهزة لحل مشكلاتنا، بل طبقاً لقانون (التحدي والاستجابة) ورؤية الذات بعيون الآخر، ومدى تأثير ذلك على قضايانا الملحة.