أعلام الماركسية واليسار في العالم العربي 7

يأتي مشروع (أعلام الماركسية واليسار في العالم العربي) وفاءً لذاكرة المناضلين والمفكرين اليساريين، وتعريفا بإسهاماتهم الفكرية والسياسية في مسيرة اليسار العربي. وهو مشروع سبق أن بدأه الرفيق الراحل زياد الملا إذ أنجز الجزء الأول منه وكتب فيه عن مئة شخصية يسارية وكان بصدد إعداد الجزء الثاني من هذه السلسلة.

لكن رحيل الرفيق زياد الملا عام 2020 م حال دون استكمال هذا المشروع، وبقي الجزء الثاني منه دون أن يُنجز. ووفاءً لذكراه أردت أن أستأنف السلسلة من حيث بدأها عبر إعادة نشر ما كتبه ونشره في جريدة النور ومواصلة المشروع الذي أطلقه.

سامر النمر

 

 

يوسف إبراهيم يزبك.. مثقفٌ حمل قلم الشيوعية الأول

 

 

 

هو مفكّر ومؤرخ وصحفي، وأحد أبرز القادة المؤسسين للحركة الشيوعية والعمالية في لبنان وسورية. تميّز بكونه النواة الثقافية للرعيل الأول من المناضلين، وترك بصمة مميزة في تاريخ الصحافة والأدب السياسي العربي.

 

الولادة والنشأة

وُلد يوسف إبراهيم يزبك عام 1901 في الحدث قرب بيروت، لعائلة ميسورة، وقال عن نشأته: (نشأت – ولا افتخار – بين رخاء العيش في بيت كريم، فشئت أن آخذ عن ذوي حسن آدابهم تاركاً لهم أموالهم وأرزاقهم واعتقاداتهم الاجتماعية والدينية).

وفي التاسعة من عمره سافر مع أمه إلى المكسيك، فتعلّم مبادئ العربية على يد الصحفي سعيد فاضل عقل، الذي غرس فيه النقمة على الاضطهاد التركي للعرب، وعاد إلى لبنان عام 1911 فدخل مدرسة بعبدا، وتتلمذ فيها على يد الصحفي الاستقلالي وديع عقل.

 

شاهد على زمن الانكسارات

كان في الخامسة عشرة حين رأى أول قافلة من المناضلين ضد العثمانيين تُساق إلى الإعدام، وبينهم أستاذه سعيد فاضل عقل، وفي عام 1918 عاش فجر قيام أول دولة عربية في دمشق، ثم رأى الاحتلال الفرنسي يعتّم ذلك الفجر، وشهد بطولة المقاومين في ميسلون ضد أقوى الجيوش البرية في العالم يومذاك، من هذه المشاهد خرجت أفكاره الأولى عن العدالة والتحرر.

 

الشبح الباكي يقرأ لينين

في العشرينيات، ومع بروز تناقضات الوضع الانتدابي ونمو الحركة العمالية، أخذ يزبك يبذر أفكار الاشتراكية، وكانت أفكاره عاطفية مغموسة بالنغم الرومنتيكي الحزين وبالدموع، حتى إنه كان ينشر مقالاته في جريدة (الصحافي التائه) بتوقيع (الشبح الباكي).

ومنذ عام 1923 عدّ نفسه شيوعياً بلشفياً، لكنه اعترف لاحقاً بأن معرفته ظلت (طوباوية وسطحية). وجاءت نقطة التحول مع وفاة لينين عام 1924، فكتب مقالة بعنوان (مات لينين)، وترجم لمجلة (المعرض) مقالتين عن مجلة (إيلوستراسيون) تتناولان عمل لينين ومأتمه.

ويقول إنهما دفعتاه إلى معرفة (الإنسان الجبار) الذي سمّته صحافة أوربا (إله روسيا) فبدأ يقرأ لينين ويعرف الفكر الماركسي الحقيقي، وزادت صداقته بفؤاد الشمالي الذي طردته السلطات البريطانية من مصر لشيوعيته.

 

الدور السياسي والتأسيسي للحزب الشيوعي

في عام 1924 تأسس الحزب الشيوعي في سورية ولبنان على يد يزبك وفؤاد الشمالي وفريد طعمة وإلياس قشعمي، وانضم إليهم بعد أيام بطرس حشيمة، كان يزبك المثقف الوحيد بين رفاق من العمال، فانتخبوه أول سكرتير للحزب، وأسهم في تأسيس (حزب الشعب اللبناني) الذي كان الواجهة العلنية.

وفي حزيران 1925 تشكلت لجنة مركزية ضمّت يزبك والشمالي وأرتين مادويان وهيكازون بوباجيان، وصدرت جريدة الحزب العلنية (صوت الشعب).

 

النشاط الصحفي والنضالي

أسس يزبك عام 1925 جريدة (الإنسانية) تيمّناً بصحيفة الزعيم الاشتراكي الفرنسي جان جوريس، لتكون لسان حال العمال والكادحين، وكتب مئات المقالات في (الصحافي التائه) و(صوت الشعب) و(الدهور) و(الطليعة) و(صوت العمال) و(السيار).

لاحقته سلطات الانتداب الفرنسي بسبب نشاطه المناهض لها، فأغلقت صحفه واعتقلته ونفته إلى سجن قلعة أرواد، ثم إلى باريس حيث درس في معهد الصحافة العالي، وشارك عام 1941 في تحرير مجلة (الطريق) الطليعية، وأسهم في (عصبة العشرة) التي هدفت إلى تطوير الأدب ومواجهة الجمود الثقافي والسياسي.

 

خارج القيود الحزبية

لم يطل مقامه في الأطر التنظيمية الصارمة، وفضّل البقاء في مساحة الفكر الاشتراكي المستقل بعيداً عن الصراعات الحزبية الداخلية، محتفظاً بعلاقاته الرفاقية، لكنه لم يغب عن الميدان حين دعت الحاجة، فأسهم بقوة عام 1939 في تأسيس (عصبة مكافحة النازية والفاشية) في لبنان.

 

الإرث الفكري والمؤلفات

في نصف حياته الثاني صار يزبك من كبار مؤرخي لبنان، مركّزاً على التاريخ الاجتماعي وحركات الفلاحين، وأبرز أعماله:

1-(أوراق لبنانية): موسوعة من 38 جزءاً توثق تاريخ لبنان الحديث ووثائقه السرية.

2-(النفط مستعبد الشعوب): من أوائل الكتب العربية التي حذّرت من الاحتكارات النفطية والمطامع الاستعمارية في المنطقة العربية.

(3-(حكاية أول نوّار في العالم العربي): تاريخ نشوء عيد العمال وبدايات الحركة النقابية في لبنان.

(4-(ثورة وفتنة في لبنان): تحقيق وتقديم لمخطوطات حول أحداث عام 1860 وعامية طانيوس شاهين.

5-(مأساة المواشي البشرية) (1929): كتاب رائد عن مآسي المهاجرين اللبنانيين في بلاد الاغتراب.

6-(مؤتمر الشهداء)- 1955، و (تطور الشعر العربي).

 

الوفاء حتى النهاية

بقي يزبك وفياً لقناعته إلى آخر عمره، وقال في مقابلة مع جريدة (النداء) عام 1974: (أنا عميد جميع أصدقاء الاتحاد السوفييتي، وأقدم معجب به في طول الشرق وعرضه). وفي 25 حزيران 1982 رحل في بيروت، تاركاً إرثاً يجمع القلم والتاريخ والنضال.

العدد 1222 - 04/11/2026