مقاربة للثقافة اليسارية في ظروفنا الراهنة
علم الدين أبو عاصي:
يطرح البعض تساؤلاً: من هي القوى اليسارية في بلادنا حالياً؟ وتلمّساً للإجابة، أعتقد أنها تتكون من ذاك الطيف الواسع من المهتمين بمصالح الفئات الفقيرة في المجتمع، وتعمل على تنمية وعيها لمصالحها وهويتها الطبقية، والنضال للحد من استغلالها، ولجعل السلطات تؤدي دورها الرعائي اتجاهها، ولتوفير الضمانات الاجتماعية التي تمكنها من العيش الكريم، وتعمل أيضاً لتوحيد إرادتها للمساهمة في النضال العام الوطني والاجتماعي من أجل بناء الدولة العصرية المدنية الديمقراطية العلمانية، دولة المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، والعدالة الاجتماعية، والمستقبل الإشتراكي.
ولعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا إنّ شقّي المكون اليساري، السياسي منه والثقافي، يتكاملان معاً بهدف العمل للتغيير وتطوير واقع المجتمع، على مسار التقدم والعيش الكريم، وسيادة الوطن وعزته. ومع أنه قد تتماثل أحياناً أو تتباين بعض أساليب وأدوات وميدان كلٍ منها، إلاّ أنه توحدهما الغاية والهدف.
إنّ امتلاك قوى اليسار برنامجاً للتغيير بنواحيه المختلفة الوطنية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية هو السبيل لتوحيد صفوفها، وتعزيز حضورها، ويفتح الباب لاصطفاف المواطنين وفق مصالحهم الحقيقية، فيغدو مشروعاً وطنياً موحداً لأكثر طاقات وفئات الوطن، ويساهم في إنقاذ البلاد من أزمتها.
ففي هذه المرحلة ينتصب أمام بلادنا إنجاز مهام مرحلة التحرر الوطني الديمقراطية، وعلى رأسها تحرير الأراضي المحتلة، وإنجاز تنمية اقتصادية واجتماعية متوازنة، وبناء مؤسسات الدولة على أسس حضارية متحررة من خلفيات نظام الاستبداد والتفرد والإقصاء والفساد الذي كبّل وطننا عشرات السنوات، وعمم ثقافة النفاق والتزلف وتزييف الحقائق. ويقع على عاتق اليسار العمل الجماهيري للتصدي لهذه المهام، ومجابهة قوى العدوان والإرهاب الإمبريالي والصهيوني والرجعي والمساعي الدؤوبة لقوى اليمين وأصحاب الأموال لدفع البلاد نحو إقتصاد السوق المنفلت من أي ضوابط اجتماعية وللسيطرة على ثروات البلاد، وجعل الشعب يكابد غوائل الفقر.
إنّ هذه المهام المتعددة تملي على اليسار العمل لنشر الثقافة الوطنية، والوعي العلماني الديمقراطي والعقلاني، ومجابهة الفكر السلفي الظلامي المتعصب. والعمل لتحصين الوطن من مخاطر التقسيم والتفتيت الطائفي والأثني وغيرها. فاليساريون أشد الوطنيين تمسكاً بوحدة التراب الوطني، وتجاوز العصبيات والإنتماءات ما قبل المدنية. وقد حمل اليساريون خلال القرن المنصرم مهام التعبئة لمواجهة قوى العدوان والإستغلال و الإستبداد، وقدموا التضحيات من أجل الحرية والعدالة وحقوق الكادحين والمنتجين.
ونشهد اليوم تآلفاً في نشاط قوى يمينية عديدة، من البرجوازية الطفيلية والبيروقراطية ودعاة الليبرالية الاقتصادية الجديدة، ومع انتماءات عشائرية وطائفية. ويتماه نشاطها مع مصالح الرأسمال الدولي. مما يستوجب على اليساريون تشكيل جبهة شعبية ديمقراطية مقاومة لذلك، وتعتمد مبدأ الحوار والتوافق و تحالفات واسعة تظهر فضائل التنوع السياسي والفكري، مما يؤسس لأوسع احتضان من الأوساط الشعبية، وإلى ازدياد تأثيرها في تحديد مستقبل البلاد. وهذا يملي على الثقافة اليسارية القيام بدورها المبادر، وأن تتبنى ثقافة التعدد، وحق المشاركة، واعتماد الديمقراطية بأبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية. ونفي أيّ شكل من الإستبداد والظلم الطبقي والسياسي والفكري، أو الحد من الحريات أو إقصاء دور العقل.
فالوطن اليوم بأشد الحاجة إلى استعادة اليساريين لدورهم الاجتماعي والمعرفي الفاعل، في مواجهة قوى الردة والخطاب الظلامي والغيبي والفاشي.
ومن المهام الماثلة أمام قوى اليسار وفئاته المثقفة، تحديد رؤية واضحة، تنطلق من رؤية نقدية للواقع الراهن وتحولاته، وتعمل لتجاوزه، وتقديم إجابات على ما يطرح من أسئلة في ظروف الصراعات والتغييرات الطبقية والاجتماعية والتطورات التقنية، وتعدد أشكال الاستغلال، ومن ثم التواصل مع الناس في مواقع أعمالهم، والنضال معهم لنيل حقوقهم. وتقديم الخطاب السياسي الواضح والعقلاني، المحكوم بالمراجعة الدائمة والتصويب، مع تجديد أساليب وأدوات التفكير والتنظيم، التي تسلح الطبقة العاملة وحلفاءها من الكادحين بالوعي الذي يعزز مسيرة التقدم، نحو المستقبل الأكثر عدلاً في توزيع الثروة وفرص العمل. فلا حرية بدون عدالة، ولاعدالة مع الفقر. وأيضاً أن تعلن قوى اليسار موقفاً واضحاً لهويتها بالجمع بين الوطني والتقدمي على أسس ديمقراطية إنسانية متجاوزة للتباينات الإثنية والدينية،مع إظهار وتبيان حقوق وواجبات المواطن والعمل لتحرير المرأة، ومساواتها الكاملة بالرجل في مختلف المجالات. وأن تتوجه لجذب جيل المسقبل، أي شباب اليوم، حيث تلتقي طموحاتهم مع أفكار وبرامج اليسار الهادفة الى بناء المجتمع الآمن والعادل، الذي يرعى تطلعاتم ومواهبهم الإبداعية. والعمل بكل السبل للإرتقاء بحس التلقي الجمالي الفني والأدبي لأبناء الشعب والتفاعل معها،والإحتكام دائما للعقل، فما وافق العقل فهو جزءٌ من التنوير، وما خالفه فهو من الظلام.
ومن الطبيعي أن تشدد الثقافة اليسارية على ضمان الحريات العامة، وأولها ؛ مبدأ المواطنة المتساوية، وحرية الرأي والتعبير والتنظيم والتجمع، واحترام الرأي المختلف، والتداول السلمي للسلطة، وسيادة القانون. فبدون حريات ديمقراطية لا يكون النضال الجماهيري ناجحاً.
ويشكل الأدباء والمفكرون في جبهة اليسار فئات مزودة بالوعي، وقدرة التعبير عن آلام وآمال الجماهير، فاللثقافة والمثقفين دورٌ طليعيٌ في نهوض حركة التقدم، يعتمد عدم الركون للأفكار والمسلمات السائدة في ظروف دؤوبة التغير والتطور. ولا يمكن تصور نشاط سياسي أو اجتماعي فعال إذا لم يكن المثقفون في صلبه. وعلى أحزاب اليسار أن تحتضنهم، وتؤمن لهم أجواء مناسبة للقيام بدورهم. وعلى المثقفين اليساريين دعوة كل مكونات اليسار وقواه إلى التلاقي، وترجيح القواسم المشتركه على نقاط الخلاف، والعمل لتوحيد جهودها النضالية للخروج من الأزمة ومن التخلف. ودعوتها أيضاً لأن تراجع دوماً مساراتها بروح نقدية، بهدف تطوير إدائها، فالفكرة الجميلة تفتقد حضورها إذا لم تجد انعكاسها العملي والإيجابي في الواقع الاجتماعي، فالممارسة هي مقياس جدية الأفكار، مع تجنب الوقوع فى مطبات الفردية والبيرقراطية والجمود، فتحقيق التقدم يأتي ثمرة جهد وعمل دؤوب، ولايتوقف عند المطبات العابرة. ومن المهم أن تقترن الأفكار والممارسة العملية بالأخلاق والقيم الرفيعة، مما يعزز مصداقيتها لدى الجماهير.
ويمكننا القول: إن اليسار هو خيار حياة موضوعي وواقعي، وهو موقفٌ مع الحرية والعدالة الاجتماعية، ونضالٌ بالفكر والممارسة ضد جميع أشكال استغلال الإنسان، وعلى قوى اليسار العمل دائماً لتقويم المسار، وتجديد الأدوات، لمتابعة الطريق دوماً باتجاه الأهداف النبيلة. فالثقافة اليسارية هي التي تسهم في رفع وعي الجماهير فتحولها لقوة مادية فعالة للتقدم.