تحذير وتنبيه! لا لنزع الأرض من الفلاح.. ولا لإحياء الإقطاع.. ولا لتحويل أملاك الدولة إلى غنيمة!
إبراهيم الحامد:
تتداول بعض الصفحات ووسائل التواصل الاجتماعي، هذه الأيام، دعوات لإعادة النظر في قانون الإصلاح الزراعي، بل وتطالب بإعادة ملكيات إلى كبار الملاكين السابقين أو ورثتهم، بذريعة أن هذه الأراضي انتُزعت منهم في مراحل سابقة.
هذه الدعوات ليست مجرد نقاش حول ملكية عقارية، بل تفتح ملفاً تاريخياً واجتماعياً وسياسياً بالغ الحساسية، يمس ملايين الفلاحين ويرتبط مباشرة بالسلم الأهلي ومستقبل سورية، وليعلم من يثير هذه الإشكالية اليوم: أن سورية ليست غنيمة حرب، ولا أرضاً سائبة لمن يملك القوة أو النفوذ، ولا ملكاً لفئة أو عشيرة أو شركة. سورية للسوريين، وأرضها وثرواتها ملك لشعبها.
لأننا إذا عدنا بالتاريخ إلى الوراء، وكشفنا كيف تشكلت الملكيات الكبيرة، التي شملها قانون الإصلاح الزراعي، سيتبيّن: أن معظم الملكيات الكبيرة التي ظهرت قبل الإصلاح الزراعي لا تستند إلى أي أساس قانوني، ففي العهد العثماني كانت معظم الأراضي الزراعية والبور والبادية والحراج الجبلية هي مشاع تُسجَّل كـأراضٍ أميرية، أي ملك للدولة، ولكن كانت تُمنح حق الانتفاع لعائلات أو زعامات مقابل ولاءات وخدمات للسلطنة العثمانية آنذاك، ومع الزمن تحوّل هذا الانتفاع إلى ملكية فعلية بحكم القوة، خصوصاً مع ضعف السلطة في أواخر العهد العثماني، فقد قامت الزعامات العشائرية في زمن غياب الدولة بتسجيلها في عهد الاستعمار الفرنسي دون مسح عقاري.
وهنا لا يصحّ، بنفوذ سياسي وعقود عرفية، أن تُنشئ ملكية بيع، وبالتالي: ما بُني على باطل فهو باطل، ولأن الأرض الأميرية كانت مشاعاً وكانت تُعتبر ملكاً جماعياً للعشيرة، وليست ملكاً لزعيم العشيرة الذي تحول إلى إقطاع، ولأن التسجيل الفرنسي ليس سند ملكية، بل وثيقة نفوذ من الانتداب الفرنسي سجّل آلاف الهكتارات دون حضور أصحاب الأرض الحقيقيين ودون مسح، ودون خرائط، ودون لجان قضائية، وهذا ليس سجلاً عقارياً، وليس ملكية، وليس حقاً عينياً بل هو تثبيت نفوذ سياسي لا أكثر، وكل الملكيات التي ثُبّتت في زمن النافوري لا تكتسب الشرعية لأن هذه المرحلة شهدت تسجيل ملكيات واسعة قبل صدور قانون الإصلاح الزراعي الذي جاء ليقول: هذه الملكيات غير مشروعة، لأنها تجاوزت السقف القانوني وجرى الحصول عليها بطرق غير عادلة. لأن الملكية الشرعية لا تبنى أمام المختار ولا بعقود العرف والشهود، ولا بالوكالات القديمة وأوراق الانتداب، كلها لا تُنشئ ملكية ولا تُعطي حقاً عينياً.
وفي ضوء ما سبق، تعتبر الأرض السورية الأميرية والمشاع حقّاً عامّاً لشعب كامل، وإن الاستيلاء عليها في سالف الأزمنة من قبل زعماء العشائر الذين تحولوا لكبار الملاكين والإقطاع، كان نتيجة لفراغ الدولة، وضعف القانون، ونفوذ سياسي. ومادامت لم تُبنَ على سند قانوني صحيح، فهي باطلة ولا تمنح أصحابها أي امتياز، ولا تعطيهم حقاً في تقرير مصير الأرض أو أهلها.
الخلاصة: هذه أرض شعب، وليست ملكاً لمن وضع يده عليها بالقوة في زمن الفوضى. ولفهم قضية الأرض، ولا سيما في الجزيرة السورية، يقتضي العودة إلى تاريخ نشوء الملكيات نفسها، فقد كانت أنماط واسعة من الأراضي في العهد العثماني خاضعة لأشكال من ملكية الدولة والانتفاع الجماعي والعشائري. ومع ضعف الدولة العثمانية ثم خلال الانتداب الفرنسي، حدثت تحولات كبيرة في تسجيل الأراضي، وانتقلت في حالات عديدة مساحات واسعة من أنماط الانتفاع الجماعي إلى ملكيات فردية. وتشير دراسات تاريخية إلى أن عمليات التسجيل في الجزيرة أسهمت في نشوء ملكيات واسعة بأسماء بعض الزعامات المحلية، في ظل ظروف سياسية وإدارية معقدة، بينما لم يكن المسح العقاري شاملاً لجميع الأراضي.
وهنا تبرز قاعدة أساسية: لا يكفي وجود ورقة قديمة أو تسجيل تاريخي وحده لحسم نزاع معقد على الأرض، كما لا يجوز اعتبار كل ملكية سابقة باطلة دون تحقيق قانوني. فالحق لا يثبت بالصوت العالي، ولا بالقوة، ولا بالانتماء إلى عائلة أو جماعة، وإنما بالسند القانوني والوثائق والقضاء.
لقد جاء الإصلاح الزراعي في سورية في أواخر خمسينيات القرن العشرين لمعالجة خلل تاريخي يكمن في التفاوت الكبير لملكية الأراضي والعلاقة غير المتكافئة بين كبار الملاكين والفلاحين، وقد وضع سقوفاً للملكية، ونص على استملاك المساحات التي تتجاوز السقف القانوني وإعادة توزيعها، مع إعطاء الأولوية للمزارعين المستأجرين والفلاحين. وتوضح وثائق منظمة الأغذية والزراعة أن المستفيدين من الإصلاح الزراعي اكتسبوا حقوق حيازة قوية شبيهة بحقوق المالك، وهذا يعني أن الإصلاح الزراعي لم يكن مجرد قرار سياسي عابر، بل كان تحولاً اجتماعياً وقانونياً أعاد توزيع الأرض وأحدث تغييراً عميقاً عادلاً في الريف السوري.
نعم، يمكن مناقشة الأخطاء والتجاوزات التي رافقت تطبيقه، والتحقيق في أي ظلم وقع على ملّاك بعينهم. لكن تصحيح أخطاء التطبيق شيء، وإلغاء فلسفة الإصلاح الزراعي وإعادة الإقطاع شيء آخر تماماً.
الأرض التي استثمرها الفلاح ليست غنيمة
لا يجوز اليوم التعامل مع الفلاح الذي حصل على أرضه بموجب قانون نافذ، ثم استصلحها وزرعها وعاش منها لأكثر من ستة عقود، باعتباره مجرد واضع يد، لأن السلطة التي أصدرت قرار التخصيص كانت سلطة سابقة.
فالفلاح لم يكتب القوانين، ولم يكن مسؤولاً عن طبيعة النظام السياسي الذي كان قائماً. وإذا كانت هناك مطالبة قانونية بأرض محددة، فطريقها هو القضاء والوثائق والتحقيق المستقل، لا القوة ولا حملات التشهير ولا قرارات الأمر الواقع.
كما أنّ تغيير السلطة لا يعني سقوط الحقوق القانونية تلقائياً.
إن المحاولات والمطالبات بنزع الأراضي من ملايين الفلاحين لمصلحة ملاكين سابقين أو ورثتهم، اعتماداً على سرديات تاريخية متنازع عليها، سوف يعني إعادة فتح نزاعات قديمة بين العائلات والقرى والمناطق، وفي بلد أنهكته الحرب والنزوح والانقسامات، يمكن لمثل هذا المسار أن يتحول إلى وقود لفوضى اجتماعية واسعة، وربما إلى صراعات أهلية جديدة.
موقف اليسار: الدفاع عن الفلاح والعدالة الاجتماعية
من هنا يأتي موقفنا في الحزب الشيوعي السوري الموحد المنسجم مع القوى اليسارية والتقدمية في سورية: الوقوف إلى جانب الفلاح، وحماية حقوقه المكتسبة قانوناً، والدفاع عن العاملين في الأرض، ورفض إعادة إنتاج الإقطاع تحت أي اسم، إن العدالة الاجتماعية لا تعني مصادرة حقوق المالكين بصورة تعسفية، لكنها بالتأكيد لا تعني إعادة عقارب الساعة إلى الوراء وتحويل الفلاح الذي استثمر الأرض طوال عقود إلى متعدٍّ عليها.
المطلوب هو معالجة كل حالة وفق القانون، لا إصدار حكم جماعي على ملايين الفلاحين.
وفي المقابل: لا للاستيلاء على أملاك الدولة
الدفاع عن حقوق الفلاح لا يعني السماح بالاستيلاء على أملاك الدولة.
فالأراضي الزراعية العامة، والحراج، والمراعي، والمحميات، والعقارات والمؤسسات والمنشآت العامة، هي ملك الشعب السوري كله، وليست ملكاً للسلطة أو الفصائل أو الشركات أو أصحاب النفوذ.
كما يجب ألا يتحول شعار (الاستثمار) إلى غطاء لوضع اليد على الأراضي أو إقصاء الفلاحين عنها أو اقتطاع جزء من إنتاجهم دون أساس قانوني واضح.
فالاستثمار الحقيقي هو الذي يزيد الإنتاج ويوفر فرص العمل ويحمي حقوق الدولة والفلاح والمجتمع، وليس الذي يستبدل وضع يد بوضع يد آخر.
جرس التحذير والإنذار.. من عفرين
ما يثار حول منطقة عفرين يقدم نموذجاً ينبغي التوقف عنده بجدية. فقد تداولت وسائل إعلام محلية في أيلول (سبتمبر) 2026 تقارير عن مطالبة مزارعين في ناحية جنديرس بتوقيع عقود استثمار جديدة مع جهات تحمل اسمي (الصندوق السيادي السوري) و(شركة اكتفاء)، تتضمن، وفق تلك التقارير، اقتطاع نسبة من المحصول وبدلات مرتبطة ببعض الأبنية والمنشآت. وهذه الوقائع، ما دامت مستندة إلى تقارير محلية وشهادات متداولة، تحتاج إلى تحقيق رسمي مستقل وشفاف يحدد حقيقة العقود والجهات المستفيدة والأساس القانوني لها، وحقوق أصحاب الأراضي والمزارعين المعنيين. لكن القضية أكبر من عفرين نفسها، فها هي ذي تظهر من خلال احتجاجات في مدينة دمشق وريفها حول استملاك غير قانوني لعقارات ومزارع وأراض زراعية للأهالي، فعندما تتحول عقارات وأملاك المواطنين التي هي مصدر رزقهم إلى مصدر دخل لجهة أخرى من دون موافقتهم الحرة أو سند قانوني واضح، فإننا لا نكون أمام استثمار بالمعنى الاقتصادي، بل أمام مشكلة ملكية وحقوق ينبغي أن يعالجها القانون. والسؤال هنا ليس عاطفياً: هل نحن أمام تنظيم قانوني للملكية والاستثمار، أم أمام إعادة إنتاج لمنطق الأمر الواقع تحت أسماء وعناوين جديدة؟
فما المطلوب بهذا الشأن؟
أليس المطلوب هو دولة قانون، لا عودة إلى الماضي؟
نحن بحاجة إلى آلية وطنية مستقلة وشفافة لمراجعة ملف الأراضي، تعتمد على السجلات والخرائط والوثائق والقوانين، وتبحث في كل حالة على حدة، ومن الضروري خلال ذلك التأكيد على:
حماية الأراضي وحقوق الفلاحين التي ثبتت وفق قانون الإصلاح الزراعي ومنحهم سندات تمليك بها.
التحقيق في أي تجاوزات رافقت تطبيق الإصلاح الزراعي.
فحص ادعاءات الملكية التاريخية وفق الأدلة القانونية، لا وفق النفوذ أو القوة.
وقف أي نقل قسري للملكية أو وضع يد على أرض متنازع عليها إلى حين حسم النزاع قضائياً.
حماية أملاك الدولة من الخصخصة غير الشفافة والاستيلاء.
وضع سياسة زراعية تضع الفلاح والإنتاج والأمن الغذائي والعدالة الاجتماعية في مقدمة أولوياتها.
معالجة قضية (فلاحي الغمر) في إطار قانوني عادل ومنصف: إن معالجة هذه القضية تتطلب العودة إلى جذورها التاريخية والقانونية، بعيداً عن منطق الانتقام أو تحميل الفلاحين مسؤولية قرارات سياسية لم يكونوا أصحاب قرار فيها. فقد نُقلت عائلات (فلاحي الغمر) قسراً، خلال سبعينيات القرن الماضي، من مناطق في محافظتي الرقة وحلب إلى منطقة الجزيرة، في إطار مشروع سياسي ارتبط ببناء سد الفرات وغمر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية. وأُسكنت تلك العائلات في قرى ومستوطنات أُنشئت لهذا الغرض على الشريط الحدودي، ومُنحت أراضي زراعية كانت الدولة قد وضعت يدها عليها بموجب قرارات ومراسيم صادرة في ذلك الوقت، ومن هنا، فإن أي مراجعة قانونية لهذه القضية يجب أن تميّز بوضوح بين الفلاح الذي استقر في الأرض بناءً على قرار رسمي للدولة، والجهة التي اتخذت قرار نقل السكان والاستيلاء على الأراضي. فلا يجوز تحويل الفلاح إلى طرف مسؤول عن سياسات لم يصنعها، كما لا يجوز في المقابل تجاهل حقوق أي مالك تثبت ملكيته وفق القانون والأدلة القضائية، إن العدالة لا تعني نزع الأرض من فلاح لمجرد أنه حصل عليها بقرار رسمي سابق، كما لا تعني مصادرة حق مالك تثبت ملكيته بصورة قانونية. المطلوب هو معالجة شاملة تحفظ حقوق جميع الأطراف، وتمنع تحويل الأراضي الزراعية إلى غنائم أو وسيلة للانتقام السياسي والاجتماعي.
والمعيار الذي يجب أن يحكم هذه القضية، كما يجب أن يحكم جميع قضايا الأراضي والملكية في سورية، هو معيار واحد: القانون، والوثائق والأدلة، والقضاء المستقل، مع ضمان عدم الإضرار بحقوق الفلاحين المستقرين على الأرض، لا لإحياء الإقطاع القديم أو صناعة إقطاع جديد.
إن سورية لا تحتمل اليوم حرباً جديدة على الأرض، فهي قد خرجت تواً من حرب طويلة تحتاج إلى تثبيت حقوق الناس، لا إلى إعادة فتح صراعات تاريخية يمكن أن تشعل نزاعات جديدة، ولذلك نقول وبوضوح:
– لا لإلغاء الإصلاح الزراعي بذريعة تغيير السلطة
– ولا لنزع الأرض من الفلاح.
– ولا لإحياء الإقطاع القديم وورثته.
– ولا للاستيلاء على أملاك الدولة.
– ولا لتحويل الاستثمار إلى غطاء لوضع اليد.
– نعم لدولة القانون، ونعم لحماية حقوق الفلاحين، ونعم لصيانة الملكية العامة، ونعم لعدالة اجتماعية تجعل الأرض والثروة في خدمة الشعب السوري كله.
فالأرض ليست غنيمة، والفلاح ليس لقمة سائغة، وأملاك الدولة ليست إرثاً لمن يملك القوة.
سورية للسوريين.. وأرضها ليست غنيمة لأحد.