فلسطين.. من سجون الليل تنتزع النهار

د. أحمد ديركي:

حاول المجتمع الأوربي في فئة اجتماعية منه، وتحديداً تلك المؤمنة بالديانة اليهودية، أن تُشكّل قوقعتها الاجتماعية ضمن المجتمع ذاته. ويعود هذا التشكل الاجتماعي غير السليم، لأنه محاولة انسلاخ فئة اجتماعية عن بقية المجتمع والادعاء بأنها مختلفة عنه ولكنها فعلياً هي جزء منه في معظم الأمور، من اللغة إلى الثقافة إلى طبيعة الإنتاج إلى الانتماء إلى هذا الوطن أو ذاك. لكن مسألة الانتماء، وتحديداً إلى وطن، تصبح إشكالية في مضمونها. لأن الانتماء إلى وطن في نظام سياسي فشل في بناء اجتماعي ينتمي إليه أوجد فئات اجتماعية متقوقعة على ذاتها، بغض النظر عن سبب تقوقعها، يعني أن الانتماء إلى هذا الوطن أصبح مصاباً بمرض اللاانتماء.

فاليهودي الأوربي، وتحديداً تلك الفئات الاجتماعية التي عانت نوعاً من الإقصاء السياسي بسبب انتمائها الطبقي بالدرجة الأولى، عملت على تشكيل قوقعة ضمن المجتمع لتأخذ من الديانة اليهودية لحمة تشكلها، فتؤسس لتعصب ديني لهذه الجماعة المتقوقعة على ذاتها ضمن المجتمع المختلف عنها ظاهرياً في الدين، فيبدو الصراع بين فئات المجتمع على أنه ديني وليس طبقياً.

وهنا يحضُر دور النظام السياسي، بإيديولوجيته البرجوازية، لأنه (أداة في يد الطبقة البرجوازية)، كما يقول البيان الشيوعي، لتكريس هذا التقوقع وفي الآن نفسه لإظهار أن الصراع مع هذه الفئة المتقوقعة على ذاتها صراع ديني أو إثني أو عرقي أو أي شكل آخر إلا الطبقي، لأن الصراع الطبقي هو حقيقته.

ضمن هذا التقوقع لهذه الفئة الاجتماعية التي تقوم لحمتها الوهمية على الديانة اليهودية يدخل عنصر سياسي، لأن الإنسان حيوان سياسي، ليأخذ دور الإيديولوجيا المنقذة من هذه العزلة المتوهم أنها دينية. فكانت ولادة الحركة الصهيونية المتوافقة في صيرورة تشكلها مع صيرورة تشكل نمط الإنتاج الرأسمالي، وتحديداً في مرحتله الامبريالية، بالمعنى اللينيني لهذا المصطلح.

على هذه الأسس استكمل النظام السياسي الطبقي في أوربا تشكيل هذه الفئة الاجتماعية لتكون منبوذة، والصهيونية هي المنقذة لها لكن بإيجاد بلد آخر، وهنا يلغى الانتماء الوطني، لتأسيس الجنّة الدينية على أرض الواقع. فكانت هذه الجنة بداية في افريقيا، فوجدت الإمبريالية عدم جدوى هذه الجنة لأنها لا تحمل ثروات، فوقع الاختيار على فلسطين، لما تمثله من نقطة تحكم منطقة غنية بثرواتها الطبيعية.

فعملت الصهيونية السياسية التي بدأ بصوغها، بوعي ودقّة، هرتزل…  (على) قطف ثمار… محوّلةً هذه الاخيرة إلى محور أساسي في إيديولوجيتها الإيهامية، أي إيديولوجيا التعتيم على أصولها وجذورها الحقيقية والمباشرة المرتبطة بعصر الإمبريالية، ومن ثم التضخيم اللاتاريخي الزائف لعلاقاتها بالموروث اليهودي التوراتي. ص. 89 – 90.

لذا عملت كل الأنظمة السياسية، أينما وجدت، ونقول هذا انطلاقاً من فكرة أساسية وهي أن الدولة الحديثة أداة في يد الطبقة البرجوازية، والدولة هنا موجودة في أكثر الأنظمة الرأسمالية تطوراً وأكثرها تخلفاً، لذا هناك طبقة برجوازية وطبقة برجوازية تابعة، ويستحيل على التابعة أن تكون وطنية. وهذا موضوع آخر وقعت فيه معظم الأحزاب الشيوعية في العالم العربي، عندما توهمت بأنه يمكن للبرجوازية التابعة ان تكون وطنية. ولن ندخل هنا في تحليل موقف الاتحاد السوفياتي من الحركة الصهيونية واحتلالها فلسطين، وطبيعة علاقة الاتحاد بالانظمة العربية التي كانت تعدم الشيوعيين وهو يدعم هذه الأنظمة!

من ثم نذهب مع تيزيني في محور آخر لتشكل الحركة الصهيونية او كما يسميها

 

محاور التهيئة التاريخية للصهيونية السياسية… ص. 90

وهذا المحور  هو ذلك الذي يتمثل بالموروث اليهودي التوراتي… ص. 90

وهنا ندخل مع تيزيني في مسألة تصبح أكثر تشابكاً. وهذا ما نراه اليوم من محاولات (دمج» اليهودية بالمسيحية وتبرئة اليهود من أسطورة صلب المسيح فتتداخل الاسطورة اليهودية بالمسيحية لإنتاج أسطورة حديثة متوافقة مع طبيعة الإمبريالية لتبرر لها استغلالها للبشر واحتلال بقع جديدة في العالم وارتكاب أبشع جرائم الإنسان بحق الإنسان.

أساطير تؤسس على أساطير ومن أبرز إشكاليات هذه الأساطير الراهنة هي مسألة أعمق بكثير من الأسطورة. المسألة هي كيف لمجموعة بشرية أن تقول إنها تعيش في زمن الذكاء الاصطناعي وعظمة العلوم لكنها في الوقت نفسه على المستوى الذهني تبقى تعيش أساطير تبتدعها من تزواج أساطير ماضوية لتنتج أساطير محدثة؟

فأسطورة اليهودية المسيحية وتبرئتهم من صلب المسيح تحضر في ذهن كثيرين حالياً لتبرر للصهاينة ارتكاب أبشع مجازر عرفتها البشرية، وباستخدام وسائل قديمة: الحصار والتجويع والتعطيش، وصولاً إلى استخدام أحدث تقنيات وأسلحة القتل الشامل الأمريكية الصنع بالتعاون مع الأوربي، وطبعاً التمويل لأبحاث كهذه في عالم الاسلحة مدفوع سلفاً من قبل كل الأنظمة السياسية، بغض النظر عن تسمياتها. وحقل تجربة هذه الأسلحة على أرض الواقع هو فلسطين، فتحولت فلسطين بشعبها إلى مجرد فئران مختبرات لتجربة أسلحة القتل التي تريد دول العالم شراءها.

هنا تأتي الأسطورة لتبرر هذا التحويل للإنسان من إنسان إلى فأر تجارب في مختبر، اسمه فلسطين. ويظهر رئيس أكثر دول العالم إجراماً على أنه المسيح شافي شعبه، وبقية الشعوب مجرد فئران تجارب، ويدعم هذا المسيح الحديث الظاهر بصورة من صياغة وتشكيل الذكاء الاصطناعي الصهيوني المنفذ للتجارب بشكل أكثر إجراماً في فلسطين مسلحاً بأسطورة أن فلسطين أرض ديانة أسطورية فتتزاوج الأسطورة الأولى مع الثانية لتحويل الإنسان إلى فأر تجارب والعالم برمته يصفق لهذا التزاوج بين الأساطير، لأنه يقوم بالفعل نفسه لكن بصيغ مختلفة.

كل هذا يحدث في عصر التقنيات الحديثة وتبقى الأسطورة في موقع أساسي في لعبة التشويه الطبقي الذي تعمل عليه الطبقة البرجوازية لاستعباد الطبقة العاملة، فتتحول الأسطورة إلى أداة إضافية قديمة-جديدة في يد هذه الطبقة لتؤبد علاقتها بالنظام السياسي وفي الوقت نفسه تظهر وكأنها تلك الطبقة التي تعمل على خدمة الإنسان. ولن نذهب بعيداً ولن نحلل كثيراً في هذه المسألة، لكن لنعطِ المثال التالي:

بسبب طبيعة نمط الإنتاج الرأسمالي هاجر كثير من الأوربيين إلى الأرض الأمريكية، طبعاً إضافة إلى ما جرى استعماره من دول، فأبادوا الشعب الأصلي لهذه الأرض، الهنود الحمر، وأسسوا دولتهم التي يقولون إنها ديمقراطية وحقوق إنسان وحرية، ونحتوا تمثال الحرية ليكون ركوزاً لحريتهم! فأي حرية هذه التي قامت على إبادة السكان الأصليين والحلول مكانهم. والشيء نفسه حالياً يحدث في فلسطين. فالصهاينة يبيدون الشعب الفلسطيني ويحتلون أرضه والعالم يقول إن النظام الصهيوني في فلسطين نظام ديموقراطي!

كان الحديث عن الأسطورة مجرد جزء لتوضيح ما للموروث من أهمية. وهنا من يود الغوص أكثر في مفهومي الأسطورة والموروث فليتفضل مشكوراً.

 

يتبع وإن عجزت عن القيام بهذا العمل المضني، فالباب مفتوح لمن يود الاستكمال.

العدد 1220 - 21/10/2026