فلسطين.. من سجون الليل تنتزع النهار

من هذا الوعي الطبقي، وتحديداً الوعي الطبقي للطبقة العاملة المنبني على أسس ماركسية – لينينية تكون القضية الفلسطينية، تحرير فلسطين من الاحتلال الصهيوني، وعند القول بتحرير فلسطين فهذا يعني كل تراب فلسطين، لا القبول بحل الدولتين لأنه قبول بالفكر الاستعماري، جزء لا يتجزأ من فكر الطبقة العاملة النضالي، لذا القضية الفلسطينية قضية أممية مثلها مثل قضية التحرر الطبقي من سلاسل عبودية الطبقة البرجوازية.

فكل عمل سياسي تحرري يكون مقروناً بفعل تغييري جذري لان الفكر الثوري للطبقة العاملة فكر نقيض لكل ما هو قائم.

نعود إلى فلسطين لتأكيد أممية النضال في سبيل تحريرها، فالكيان الصهيوني هو رأس حربة قوى الامبريالية في المنطقة. وعند كسر هذا الرأس تكون بدايات كسرة أذرع الامبريالية أينما وجدت في العالم.

وما تجب أن نشير إليه هو أن هذه الحركة الصهيونية، وهي انعكاس للفكر البرجوازي الأوربي وراهناً الأمريكي، إضافة إلى أنها انعكاس للفكر البرجوازي بعامة، ولا تخص فئة برجوازية دون أخرى، لأن الفكر البرجوازي واحد في توجهاته وإن تباين في بعض الأحيان مع فكر برجوازي آخر، إلّا أن الجوهر واحد، وأتت هذه الحركة الصهيونية لتكون التعبير الأوضح عن مضمون هذا الفكر. وأول الأمور هي أنه فكر لا أخلاقي، وإن طالب بحقوق الإنسان والحيوان والنبات، فما مطالبته إلا خطوة أولى للقضاء عليهم جميعاً.

الصهيوني يُعبر عن أفكاره بالعلن لا بالخفاء لأن البرجوازية تخشى التعبير العلني عن فكرها الإجرامي، وكونه هو ممثلها وهي الحامي له، فيقولها بالعلن، والأمور أوضح من أن تفسر أو تبرر، فكل متتبع لأقوال الصهاينة يمكن علناً ومن دون أي جهد فكري أن يسمع ويشتم العنصرية الإجرامية بصيغ تفوق النازية في خطاباته، وكل من يشاهد أفعاله يرى كم الإجرام الذي يحمله تجاه كل البشرية إلا الطبقة البجوازية المثيلة له. كل هذا الإجرام يحدث علناً وعلى كل شاشات تلفزة العالم وشبكات التواصل الاجتماعي تنقله، ومن ثم تأتي كل الأنظمة السياسية لتبرر إجرام الصهيوني، ومن لم يبرره يدعمه، علناً ومن لا يستطيع أن يدعمه علناً يدعمه في الخفاء. ما هذا إلا دليل على أن العقل البرجوازي بإجرامه واحد وإن تعددت تسميات هذه البرجوازية من الكبرى إلى التابعة.

ففي حزيران عام 1938 في خطاب بالعلن للصهيوني ديفيد بن غوريون يقول أمام اللجنة التنفيذية للوكالة اليهودية

أنا أؤيد الترحيل القسري ولا أرى فيه شيئاً غير أخلاقي. بابه ص. 19.

وبالتأكيد فعلها بدعم من كل قوى الإمبريالية والأنظمة المؤيدة لها، لعدم وجود نظام سياسي لا مؤيد للإمبريالية العالمية لأن كل الأنظمة السياسية في العالم هي أنظمة حليفة الطبقة البرجوازية بكل مسمياتها.

أي أن القتل والإبادة والاحتلال والنهب كلها أمور مباحة للصهيوني وكل حلفائه، وكلّ مقاومة لهذه الأفعال هي (إرهاب) وفقاً لتصنيف الصهيوني وكل حلفائه وضمناً المنظمات الدولية وغير الدولية، وما توصيف ما حدث، ويحدث راهناً، في فلسطين إلا خير دليل على هذا. فهذه المنظمات الدولية وغير الدولية عندما تذكر المقاومة الفلسطينية للاحتلال، منذ 1948 وحتى اللحظة، تقول (أعمال إرهابية) وكذلك تفعل الأنظمة السياسية بينما إجرامية الكيان توصف على أنها (دفاع)، فيتحول القاتل عن قصد إلى بريء يدافع عن نفسه والمقتل ظلماً يتحول إلى مجرم يجب قتله!

للقيام بهذا الكم الاجرامي لا بد من توافر الدعم على كل المستويات، لا المادي فقط، بل السياسي والإيديولوجي، فكان للحركة الصهيونية ما تريد.

فها هو ذا ليو متسكين في عام 1917 بفكره الليبرالي يقول:

فكرتنا هي أن استعمار فلسطين يجب أن يسير في اتجاهين: استيطان يهودي في أرض إسرائيل وإعادة توطين عرب إسرائيل في أرض خارج البلاد. وقد يبدو ترحيل هذا العدد من العرب أول وهلة غير مقبول من الناحية الاقتصادية، لكنه مع ذلك عملي. إن إعادة توطين سكان قرية فلسطينية في أرض أخرى لا تتطلب كثيراً من المال. ص. 15

وهو محق في مقولته لأن الحركة الصهيونية لن تتكلف أي تكاليف مادية، بل سوف تزود بكل ما تريده لتنفيذ مشروعها الاحتلالي، والذي هو جزء لا يتجزأ من المشروع الإمبريالي.

فما عليها هو التفكير في كيفية دعم هذا المشروع الإمبريالي لارتباط وجودها به، فتضع كل إمكاناتها وبكل صيغه بدعمه، وكذلك تفعل كل الأنظمة التابعة لقوى الإمبريالية، فيكون التحالف هنا بين الطبقة البرجوازية تحالف أممي، بينما الطبقة العالمة مشرذمة بين ألف إيديولوجيا وإيديولوجيا لتشوه وعيها المكرس من قبل هذا التحالف الأممي للطبقة البرجوازية.

وعن العلاقة بين الصهيونية والماركسية يقول بابه كذلك تميل الدراسات العلمية الحديثة إلى التشكيك في النكهة الماركسية التي يضيفها التأريخ الإسرائيلي الرسمي على الاستيطان المبكر لفلسطين، بتصويره الصهيونية كأنها سعي إيجابي للتقدم في تطبيق الثورات الماركسية والاشتراكية إلى حد أبعد من المحاولات الأقل نجاحاً لتطبيقها في روسيا. وتصف النظرة الأكثر انتقاداً هذا الطموح بأنه مشكوك به في أحسن الأحوال وتلاعب ينطوي على غش في أسوئها. وفي الحقيقة، كما أن الإسرائيليين اليهود الليبراليين مستعدون اليوم للتخلي عن مبادئ الديموقراطية عندما يواجههم إمكان أن تصبح أغلبية السكان في البلد غير يهودية، فإن الصهيونيين الاشتراكيين سارعوا آنذاك.. إلى استبدال أحلامهم العالمية بإغراء القومية. وعندما أصبح الهدف الرئيسي جعل فلسطين يهودية حصراً، بدلاً من أن تكون اشتراكية، فإن الحركة العمالية داخل الصهيونية وهذا أمر بالغ الدلالة كانت هي التي وضعت الأساس لتطهير البلد من السكان المحليين، ومن ثم قامت بالتنفيذ. ص. 40.

فالصهيونية، وحلفائها، يشوهون أي مفكر لتطويعه ليبدو فكراً خادماً لمصالجهم، ومن ضمن الأفكار التي عملوا على تشويهها لتكون في خدمتهم الاستعمارية الإجرامية هو الفكر الماركسي. تناقض صارخ ما بين التحرر والعبودية، فالصهيونية وحلفائها جعلوا من العبودية على أنها حركة تحررية ويقومون بهذا الفعل يومياً.

لكن الأمر المثير للاهتمام، طبعاً لمن يود أن يكمل العمل، هو أنه كيف لهذه الأحزاب الـ(شيوعية) الصهيونية تقول بحرية الطبقة العاملة وكسر قيود الاستغلال بكل أشكاله ووحدة الطبقة العاملة.. وهنا يمكن العودة إلى ما ذكر سابقاً سواء من لينين أو من الرفيق موريس نهرا، أن تكون مساهمة في هذا الكم الإجرامي الاستعبادي وكيف يمكن لأعضاء هذا الحزب أن يصل التشويه الطبقي في أفكارهم إلى حد ارتكاب كل هذه الجرائم، وهم يعون تناقضه مع الأفكار التي يحملونها؟

هنا ما يجب دراسته وهو كيف لهذه الطبقة البرجوازية أن تكون قائدة ومؤسسة لأحزاب شيوعية تقودها عكس الفكر الذي تدعيه وتتبعها الطبقة العاملة على أنها شيوعية؟

العدد 1220 - 21/10/2026