هل آلية التفكير البشري ذات طبيعة كونية؟

يونس كامل صالح:

لقد مضى حينٌ من الدهر روج فيه الفكر الغربي إبان سطوته الكولونيالية وهيمنته الفكرية والثقافية بأن أنماط الفكر واحدة سواء في الغرب أم في الشرق، وأن آلية التفكير البشري ذات طبيعة كونية أو كلية. ومن هنا فقد ران على أدبيات الفكر الغربي إمكانية وضع شعوب العالم في سلة واحدة، وقيادتهم جميعاً بالسياسات والأساليب ذاتها التي تحكم الذهنية الغربية. ويبدو أن أسس الفكر الأرسطي منذ الإغريق، وإرسائه لقواعد الفكر وآلية المنطق، كان عاملاً مساعداً لتوسيع هذه الفرضية واطّرادها. بيد أن الحراك الثقافي في هذا القرن، والزخم الهائل للمعلوماتية وثورة الاتصالات، بدأت جميعها تؤسس للخروج من بوتقة الفكر الغربي (الحداثي) الذي بات عرضة للنقد، في ظل عولمة قلقة تبحث عن شكل من التعايش والمواءمة.

وبالعودة إلى الجذور الفلسفية، فقد ورث الأوربيون عن الإغريق قوة الإحساس بالذاتية الفردية وتميزها ككيان مستقل. وكذلك عظم لديهم الاحساس بالفوارق الفردية، وبأنهم مسؤولون عن حياتهم وأحرار في اختياراتهم. كذلك هم ميالون لرؤية العالم مكوّناً من جواهر منفصلة وموضوعات متمايزة وغير مترابطة، تحتمل المناورة حولها، والجدل إزاء صحتها وخطلها أو قبولها ورفضها.

أما الأساس الفلسفي للشعوب الشرق آسيوية فيعود إلى مزيج من عدة فلسفات مثل الطاوية والكونفوشيوسية والبوذية والإسلامية وغيرها. وقد أكدت هذه الفلسفات على التناغم (الهارموني) والتكامل بين عناصر الطبيعة والكون. ورأت العالم مؤلفاً من جواهر متفاعلة ومتناغمة، بما فيها الإنسان في علاقته مع بيئته ووسطه أو علاقته مع غيره من البشر. فالشرقي مثلا هو عضو في عشيرة أو أسرة، ولا يتصور نفسه ذاتاً منفردة أو مستقلة. ولذلك فالسعادة لدى الفرد تكمن في إشباع مصالح عامة للمجموعة على نحو متناغم ضمن شبكة اجتماعية.

إن انعكاسات هذا الفكر الفلسفي المتباين بين الأوربيين والآسيويين يتضح جلياً في العادات والممارسات الاجتماعية. فبسبب سطوة المنطق عند الإغريق فقد اعتاد الأوربي الجدل ومقارعة الحجة بالحجة، والانتصار للرأي أو نقيضه. والمجادل عادة لا يرضى بأنصاف الحلول أو التفاوض حول ما يعتقد، وغالباً ما يستعمل لغة مباشرة ومحددة وذات دلالة قاطعة. أما الآسيوي الذي ورث الاستعداد للتناغم مع مجموعته، فينزع- حين يلمس تعارضاً في الآراء – إلى حسم التناقض أو تمريره عبر طريق وسطي. كذلك فإن الحفاظ على العلاقات الاجتماعية في تناغم له الأسبقية على أي إنجاز شخصي، الأمر الذي يغدو فيه التميز الفردي أمراً غير مستحب في ذاته، أما الشعور بالرضا عن النفس فمقترن على الأرجح بالتناغم مع رغبات الجماعة والوفاء بمتطلباتها.

ويميل أبناء الشرق إلى وضع اعتبار للتوافق مع مشاعر الآخرين ومشاركتهم هذه المشاعر، وهم على عكس الأوربي الذي يتقصى الوضوح في توصيل الأفكار بكلمات دقيقة وواضحة، يميل الشرقي إلى التورية، وطالما عانى الغربيون من صعوبة فهم أبناء الشرق، والبقاء في حالة من اللبس إزاء تلميحاتهم.

أن اختلاف طرائق التفكير تشمل مجموعة من المجالات والأنشطة المعرفية، ولكن السؤال المطروح، هل يمكن التوفيق بين طرائق التفكير هذه؟ على طريق التلاقي والتقارب وليس التنافر والصدام. إن المؤشرات تقول من الممكن. وهناك شواهد على ذلك، منها مثلاً قبول الشرقيين للكثير من منتجات الغرب واسعة الانتشار سواء في الفكر أو الموسيقا أو الفنون أو المأكل أو الملبس، وبالمقابل بات الغربي يتقبل أدبيات الشرق وفلسفاته، ويقبل على الأطعمة الشرقية وما إليها. وإذا كانت الممارسات والقيم والمعتقدات الاجتماعية والأفكار العلمية مآلها إلى تلاقٍ، فيمكن لنا أن نتوقع أن الاختلافات في عمليات الفكر ستبدأ هي الأخرى في التلاشي، وأن الشرق والغرب يمكن أن يسهما في نشوء عالم هو مزيج وخلاصة لأفضل ما في كليهما. وبالتالي فإننا كي نندمج في هذا العالم الذي يصبح قرية صغيرة يجب علينا أن نتأمل واقعنا الثقافي وتراثنا في ضوء دراسة خلاقة ونقدية. إن هذا النهج يفتح مجالاً واسعاً لدراسة العقل أو الفكر العربي، وكيف يفكر الإنسان العربي؟ وكيف يرى العالم؟ وما الجذور الثقافية للمعرفة والتفكير العربي ورصيده التاريخي الفاعل والمؤثر؟ وإلى أي مدى تدعم أو تعوق هذه الذهنية العربية حركة التطوير الحضاري؟ وجدير أن ننهض نحن بهذه الدراسة بدلاً من أن يظل مجالها ساحة صامتة أو بدلاً من أن ينجزها غيرنا فنكون موضوعاً لا ذاتاً فاعلة.

العدد 1220 - 21/10/2026