الشيوعيّون.. والتحوّل باتجاه الاقتصاد الرأسمالي الريعي في الألفية الثالثة

(النور):

بدأت ملامح التخلّي عن الاقتصاد الاشتراكي المخطّط في بداية تسعينيات القرن الماضي، مع صدور قانون الاستثمار رقم ١٠ لعام ١٩٩١، وذلك بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ووقف المساعدات الاقتصادية والفنية للمشاريع الكبرى في البلاد.

في بداية القرن الجديد، ومع بروز دعوات (الإصلاح) السياسي والاقتصادي، رأى حزبنا الشيوعي السوري الموحّد، ضرورة انفتاح السلطة السياسية في البلاد أكثر فأكثر على الفئات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة، وتوسيع الحرّيات الديمقراطية، ووقف تسلّط الأجهزة الأمنية على حقوق المواطنين الدستورية، وقدّم برنامجاً ديمقراطياً واجتماعياً متكاملاً.. وأمام دعوات (الإصلاح) الاقتصادي التي كانت ستاراً لرؤية نيوليبرالية تسعى إلى أخذ الاقتصاد السوري باتجاه اقتصاد السوق الحرّ من جميع القيود الاقتصادية والاجتماعية، وقف حزبنا في مواجهة هذه الرؤية، والإجراءات الاقتصادية التي عبّرت عن مضمونها، وأكّد أهمّية التركيز على قطاع الدولة الصناعي بهدف تطويره، لا الرضوخ لدعوات التخلّص منه عن طريق المشاركة أو الخصخصة، وطالب بتشجيع القطاعات الاقتصادية المنتجة، لا المشاريع الريعية والعقارية المخصّصة للنخب الثريّة التي برزت كالفطر في تلك  الفترة، وطالب بعقلنة التجارة الخارجية دعماً للإنتاج الوطني، وحماية القطاعات الاقتصادية حتى يتسنّى لها المنافسة في الأسواق الإقليمية والعالمية.

وبعد عام 2005، وعند تبنّي اقتصاد السوق الاجتماعي قولاً، واقتصاد السوق الحر فعلاً، طالب حزبنا بمراجعة سياسية واقتصادية واجتماعية تتضمّن فصل السلطات، وتعديل الدستور، وإلغاء حالة الطوارئ، وإصدار قانون الأحزاب والإعلام، وإطلاق سراح معتقلي الرأي، وعقد مؤتمر اقتصادي عامّ، يشارك فيه خبراء الاقتصاد السوريين وممثلي الرأسمال الخاص المنتج، بهدف مراجعة النهج الاقتصادي والاجتماعي للبلاد، وخاصّةً بعد اشتداد معاناة الجماهير الشعبية، المعاناة الناتجة عن السياسات الاقتصادية الريعية.

واليوم.. وبعد 22 شهراً من انهيار النظام السابق، وتبنّي الإعلان الدستوري الذي وضعته (هيئة تحرير الشام) لاقتصاد السوق الحر، وبعد تراجع أداء القطاعات الصناعية المنتجة، وتراجع الزراعة بشكل كبير، والارتفاع الجنوني في أسعار حوامل الطاقة والمشتقات النفطية، وفتح أسواقنا للمنتجات التركية والخليجية لتنافس المنتجات الوطنية في عقر دارها، وبعد التدهور المستمرّ للأوضاع المعيشية للمواطنين، بسبب الارتفاع المستمر لأسعار السلع الأساسية والخدمات، وفقدان الأمن والأمان بسبب عدم الجدّية في استعادة السلم الأهلي؛ بعد كلّ ذلك، نؤكّد أنّـه ليس مقبولاً أن يجري اختيار النهج الاقتصادي للبلاد بقرار يُتّخذ في اجتماع مغلق، بمعزل عن دراسة متطلبات إنهاض الاقتصاد الوطني، ودور الدولة الرئيسي في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، عن طريق اعتماد خطة مركزية تساهم فيها جميع القطاعات المنتجة.. العامّة والخاصّة.

الاقتصاد السوري لن ينهض من تلقاء نفسه.. بل بتدخل فاعل ورئيسي من قِبل الدولة.. فتحقيق التنمية ليست مسؤولية القطاع الخاص الذي يبحث عن الأرباح، بل هي بالدرجة الأولى مسؤولية الحكومات التي يجب عليها أن تسعى، بصدق وجدّية، لتأمين متطلّبات الحياة الكريمة للشعب.

العدد 1220 - 21/10/2026