أعلام الماركسية واليسار في العالم العربي 5
يأتي مشروع (أعلام الماركسية واليسار في العالم العربي) وفاءً لذاكرة المناضلين والمفكرين اليساريين، وتعريفا بإسهاماتهم الفكرية والسياسية في مسيرة اليسار العربي. وهو مشروع سبق أن بدأه الرفيق الراحل زياد الملا إذ أنجز الجزء الأول منه وكتب فيه عن مئة شخصية يسارية وكان بصدد إعداد الجزء الثاني من هذه السلسلة.
لكن رحيل الرفيق زياد الملا عام 2020 م حال دون استكمال هذا المشروع، وبقي الجزء الثاني منه دون أن يُنجز. ووفاءً لذكراه أردت أن أستأنف السلسلة من حيث بدأها عبر إعادة نشر ما كتبه ونشره في جريدة النور ومواصلة المشروع الذي أطلقه.
سامر النمر
جورج إبراهيم عبد الله
قصة أقدم سجين سياسي في أوربا والعودة إلى الوطن
يُعدّ جورج إبراهيم عبد الله من أبرز الرموز السياسية في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي والحركات المناهضة للإمبريالية. ارتبط اسمه بوصف (أقدم سجين سياسي في أوربا) بعد أن أمضى أكثر من أربعة عقود في السجون الفرنسية، فتحوّلت قضيته من ملف جنائي إلى قضية رأي عام دولية رافقت تحولات سياسية كبرى على مدى نحو أربعين عاماً، حتى نال حريته وعاد إلى وطنه لبنان في 25 تموز (يوليو) 2025 .
النشأة وبدايات النشاط السياسي
وُلد جورج إبراهيم عبد الله في 2 نيسان (أبريل) 1951 في بلدة القبيّات بمحافظة عكار في شمال لبنان، تلقّى تعليمه في لبنان وتخرّج في دار المعلمين، ثم عمل مدرّساً في قريته وفي مناطق لبنانية أخرى.
بدأ نشاطه السياسي في مطلع السبعينيات، حين كان لبنان يغلي بالتيارات الأيديولوجية.
انخرط أولاً في صفوف الحزب السوري القومي الاجتماعي، متأثراً بأفكاره الداعية إلى الوحدة ومواجهة المخططات الاستعمارية، ثم جاءت نقطة التحول الكبرى في وعيه السياسي مع تصاعد القضية الفلسطينية بعد أحداث (أيلول الأسود) عام 1970 وانتقال ثقل العمل الفدائي الفلسطيني إلى لبنان.
انتقل بعد ذلك إلى الفكر الماركسي اللينيني، والتحق بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، بقيادة جورج حبش، إذ جذبه جمعها بين النضال الوطني الفلسطيني والبعد الأممي المناهض للإمبريالية، وفي هذه المرحلة نشط في العمل الجماهيري والتثقيف الحزبي، وأسهم في تنظيم مسيرات طلابية وعمالية داعمة للمقاومة، كما خضع للتدريب العسكري في معسكرات الجبهة في جنوب لبنان، متبنّياً الكفاح المسلح وسيلةً للتحرر.
التحول نحو العمل المسلح العابر للحدود
شكّل الاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان عام 1978، وما رافقه من تداعيات الحرب الأهلية اللبنانية، صدمةً عنيفة دفعت عبد الله نحو راديكالية أكبر، وانتهى إلى قناعة بأن الدفاع عن لبنان وفلسطين لا ينبغي أن يقتصر على الجبهات المحلية، بل يجب نقل المعركة إلى العواصم الغربية التي يراها داعمة لإسرائيل.
وانطلاقاً من هذه الرؤية، غادر الجبهة الشعبية مع مجموعة من رفاقه، وأسّسوا عام 1979 تنظيم الفصائل المسلحة الثورية اللبنانية ((LARF، وهو تنظيم يساري سرّي صغير ذو أيديولوجيا ماركسية لينينية، يناهض الإمبريالية وإسرائيل.
وكان التنظيم، بحسب خطابه، يسعى إلى ضرب ما سمّاه (رأس الأفعى) الإمبريالي، ونُسبت إليه عمليات استهدفت دبلوماسيين وشخصيات عسكرية أمريكية وإسرائيلية في أوربا، ظهرت أولى عملياته المعروفة في مطلع الثمانينيات.
ثم جاء الاجتياح الإسرائيلي الشامل للبنان عام 1982، وما تلاه من مجازر أبرزها مجزرة صبرا وشاتيلا في أيلول (سبتمبر) من العام نفسه، ليعمّق هذا التوجه ويصعّده.
الاعتقال والمحاكمة
في 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1984 أُوقِف جورج عبد الله في مدينة ليون الفرنسية، وكان يحمل جواز سفر جزائرياً مزوّراً باسم (عبد القادر السعدي)، وفي البداية حوكم في ليون عام 1986 بتهم حيازة أسلحة ومتفجرات والانتماء إلى جماعة إجرامية، فصدر بحقّه حكمٌ بالسجن أربع سنوات، ثم قادت التحقيقات اللاحقة إلى ربط سلاح ضُبط في شقق مرتبطة به بعمليتي اغتيال وقعتا في باريس عام 1982.
وفي عام 1987 مَثَل أمام محكمة الجنايات الخاصة في باريس، بتهمة التواطؤ في اغتيال الدبلوماسي الأمريكي تشارلز روبرت راي (18 كانون الثاني (يناير) 1982) والدبلوماسي الإسرائيلي ياكوف بارسيمانتوف (3 نيسان (أبريل) 1982)، وفي محاولة اغتيال القنصل الأمريكي روبرت هوم في ستراسبورغ عام 1984.
رفض عبد الله الاعتراف بشرعية المحكمة، ودافع عن نفسه بوصفه (مقاتلاً) في سياق نضال سياسي مشروع، وانتهت المحاكمة بإصدار حكمٍ بالسجن المؤبّد عليه.
الحرية والعودة إلى لبنان
أصبح عبد الله مؤهّلاً للإفراج المشروط بموجب القانون الفرنسي منذ عام 1999، لكن طلباته تعثّرت مراراً، فقد صدر قرار بالإفراج عنه عام 2003 نُقض في الاستئناف عام 2005، ثم وافق القضاء عام 2013 على الإفراج عنه مشروطاً بترحيله، غير أن وزير الداخلية آنذاك لم يوقّع أمر الترحيل اللازم، ويرى محاموه ومناصروه أن الضغوط الدبلوماسية والسياسية، ولا سيما الأمريكية والإسرائيلية، كانت وراء هذا التعطيل الذي دام ربع قرن، وقد تحول عبد الله خلال تلك العقود إلى أيقونة عالمية لحركات التحرر.
وفي 17 تموز (يوليو) 2025 قضت محكمة الاستئناف في باريس بالإفراج عنه، بشرط مغادرة الأراضي الفرنسية وعدم العودة إليها. وفي 25 تموز (يوليو) 2025، بعد رحلة طويلة من النضال القانوني والشعبي، أُفرج عنه وسافر إلى بيروت.
عاد جورج عبد الله إلى بيروت وهو في الرابعة والسبعين من عمره، تاركاً وراءه فصلاً استثنائياً في تاريخ الالتزام بالقضايا السياسية ودفع أثمانها.