أعلام الماركسية واليسار في العالم العربي
يأتي مشروع (أعلام الماركسية واليسار في العالم العربي) وفاءً لذاكرة المناضلين والمفكرين اليساريين، وتعريفاً بإسهاماتهم الفكرية والسياسية في مسيرة اليسار العربي. وهو مشروع سبق أن بدأه الرفيق الراحل زياد الملا، إذ أنجز الجزء الأول منه وكتب فيه عن مئة شخصية يسارية، وكان بصدد إعداد الجزء الثاني من هذه السلسلة.
لكن رحيل الرفيق زيّاد الملّا عام 2020 م حال دون استكمال هذا المشروع، وبقي الجزء الثاني منه دون أن يُنجز. ووفاءً لذكراه أردت أن أستأنف السلسلة من حيث بدأها عبر إعادة نشر ما كتبه ونشره في جريدة (النور) ومواصلة المشروع الذي أطلقه. على أن تكون الشخصية الأولى التي أكتب عنها هي الرفيق زيّاد الملّا نفسه استهلالاً لهذه السلسلة وتحيةً لذكراه، وتقديراً للجهد الذي بذله في توثيق سير وتجارب شخصيات تركت بصماتها في تاريخ الماركسية واليسار العربي.
سامر النمر زياد الملا (١)
تفتتح صحيفة (النور) الإلكترونية سلسلة (أعلام الماركسية واليسار في العالم العربي) بالتعريف بالرفيق المثقف والمترجم السوري زياد الملا الذي ترك حضوراً مميّزاً في ميدان الترجمة والثقافة، وأسهم في توثيق جانب مهم من تاريخ الحركة الشيوعية السورية.
وُلد زياد الملا في دمشق في 15 آب (أغسطس) 1940 وأنهى دراسته الثانوية فيها، ثم تابع دراسته في جامعة باتريس لومومبا للصداقة بين الشعوب في موسكو، فحصل على دبلوم في الترجمة، ونال عام 1968 درجة الماجستير في الآداب.
انتسب الملا في مرحلة مبكرة من شبابه إلى الحزب الشيوعي السوري، وظل عضواً فيه حتى عام 1986، وهو العام الذي شهد الانقسام الكبير في الحزب. وعُرف خلال مسيرته بعلاقاته الرفاقية مع مختلف الأطراف، كما نشر مقالات في صحيفتي (النور) و(نضال الشعب) وظل يقدم خدماته للحزب حتى سنواته الأخيرة.
عمل الملا في عدد من المؤسسات الإعلامية والثقافية، فكان مترجماً في سد الفرات ومترجماً ومحرراً في وكالة سانا وفي المركز الثقافي السوفييتي بدمشق. كما عمل مذيعاً ومترجماً في إذاعة موسكو، ومترجماً ومحرراً في وكالة (نوفوستي) بدمشق. وعمل كذلك مترجماً للخبراء الروس في المعهد العالي للفنون المسرحية بدمشق، وكان عضواً في جمعية الترجمة في اتحاد الكتاب العرب.
ولم تقتصر مسيرته على العمل الإعلامي والترجمة، بل كان حاضراً في الحياة السياسية والثقافية للحركة الشيوعية السورية منذ سنوات شبابه. وشارك في عدد من المؤتمرات والفعاليات في الاتحاد السوفيتي وألمانيا وغيرها، وأسهم في تقديم أشكال مختلفة من الدعم للعمل الحزبي والثقافي. كما احتضن منزله لسنوات مطبعة الحزب واستضاف أحد المؤتمرات العامة لاتحاد الشباب.
ويحتل البحث في تاريخ الحركة الشيوعية السورية موقعاً بارزاً في تجربة زياد الملا. فقد كرس سنوات من حياته لجمع الوثائق والمصادر وإعداد كتابه حول تاريخ الحزب الشيوعي السوري بين عامي 1924 و1959، في محاولة مهمة لتوثيق جانب من التاريخ السياسي للحركة الشيوعية في سورية. وبعد صدور الكتاب، واصل جمع المواد اللازمة لإعداد جزءٍ ثانٍ منه، إلا أن المشروع لم يرَ النور.
وفي مجال التأليف والترجمة، ترك الملا مجموعة من الكتب والدراسات والترجمات من أبرزها: (دوستويفسكي بلا رتوش) (حول تشيخوف) (قضايا البحث الفلسفية في الفن) (وراء كواليس الإرهاب) (المتواطئون مع هتلر) و(فرويد: التحليل النفسي والفلسفة العربية المعاصرة) كما ترجم مؤلفات للفيلسوف والمفكر الماركسي بليخانوف ومنها (المؤلفات الفلسفية) المجلد الخامس.
واهتمّ الملا كذلك بالفكر والتاريخ الديني والفلسفي، وكان من آخر أعماله كتاب (الصوفية.. أعلامها وتاريخها وتياراتها) الذي تناول فيه تاريخ التصوف ونشأته ومدارسه وتياراته إلى جانب أبرز أعلامه وأفكاره.
وفي صحيفة (النور) نشر زياد الملّا عدداً من المقالات والدراسات، وكان من أبرز ما قدمه سلسلة (أعلام الماركسية واليسار) التي عكست اهتمامه بالتعريف بالشخصيات والتيارات التي أسهمت في تشكيل الفكر الماركسي واليساري.
وعُرف الملّا بدماثة الخلق، ولطف المعشر، وهدوء الطبع، وبحوار ديمقراطي يتسع للاختلاف، إلى جانب حسّ فكاهي ونكتة لامحة. وقد أسهم اجتماع هذه الصفات مع ثقافته الواسعة، وترجماته، وأبحاثه، في ترك أثر واضح لدى أصدقائه وزملائه وفي الوسط الثقافي السوري.
توفي زياد الملا في دمشق عام 2020، بعد مسيرة امتدت عقوداً في الترجمة والثقافة والبحث والتوثيق، ظل خلالها معنياً بالمعرفة والتاريخ والفكر اليساري، تاركاً وراءه أعمالاً تستحق القراءة والتعريف، وتجربة ثقافية توثيقية جديرة باستعادة حضورها في الذاكرة الثقافية السورية.