على قلقٍ كأنَّ الريح تحتي
عبد الرزاق دحنون:
رحم الله أبا الطيب على أناقة شطر هذا البيت من قصيدة مطلعها:
بقائي شاء ليس هم ارتحالا
وحسن الصبر زمّوا لا الجمالا
إلى أن يقول:
فما حاولت في أرض مُقاماً
ولا أزمعتُ عن أَرض زوالا
على قلق كأن الريح تحتي
أوجهها جنوباً أو شمالا
يميل المعاصرون إلى قراءة حالة القلق التي عاشها المتنبي حالةً شعوريةً وجوديةً تعبّر عن القلق الإنساني العميق وعدم الاستقرار، وكأنّ النفس البشرية ميدان متقلّب. والواضح أنّ حالة شاعرنا النفسية قلقة، فهي تنتقل به (على قلقٍ) من مطرح إلى مطرح، ولا تستقر نفسه التوّاقة إلى السمو والرفعة، ولا يرضى بالمُقام في مكان بعينه، لأنّ القلق يمنعه من ذلك، بل هو دائم الحركة والترحال.
عالج أبو الطيب موضوعات الشعر التي عالجها شعراء العرب، ولكنّه آثر من بينها موضوعات برز فيها، وعُرف بها وعُرفت به، وقد ألمّ بها الشعراء ولم يستوعبوها استيعابه ولم يكْلفوا بها كلفه، ولا أجادوا إجادته. وهي موضوعات ترجع في جملتها إلى القوّة والإباء والطموح إلى المعالي، والإقدام والترفّع عن الدنيا، كما ترجع إلى الحكمة الأخلاقية والاجتماعية. وكلّما اتسع علم الإنسان بحقائق العالم وأحواله اتسع مجال البيان عنده، وكثرت موضوعات البيان ومعانيها لديه، فكان أشمل بياناً وأقدر على أن يخاطب النفوس المُختلفة، وكان بيانه أكثر اتصالاً بحقائق العالم. فما الذي يحاول القلق إخبارنا به من خلال شطر بيت المتنبي؟
من الناحية التطوّرية، القلق هو أحد أكثر سمات البشر تطوّراً. وهنا أستعير قول الباحثة آن لور لو كونف: (لو مُنح معظم الناس زراً يُمكنه إيقاف قلقهم نهائياً، لضغطوا عليه دون تردد. فالقلق، المتطفل والمرهق، هو ضيف غير مرغوب فيه في عالمنا العاطفي. لكن التطور نادراً ما يحافظ على سمات عديمة الفائدة لدهور طويلة، وعلى عكس الحالات التي تصيب نسبة ضئيلة من الناس، فإن القلق الخفيف يكاد يكون عالمياً. لذا قبل أن تضغط على ذلك الزر، يجدر بك أن تسأل نفسك ما الذي ستوقفه فعلياً).
تُظهر الدراسات التطورية، التي عملت عليها الباحثة آن لور لو كونف وهي عالمة أعصاب، يتركّز بحثها في كلية كينغز كوليدج في لندن على علم النفس وعلم الأعصاب المتعلّق بالتعلّم مدى الحياة. ومن هنا أكدت أنّ ظاهرة القلق ليست خللاً حديثاً، بل هي إحدى أقدم الاستجابات السلوكية في عالم الحيوان، يسبق اللغة والثقافة، ويمكن اعتبار القلق أقدم نظام إنذار في الدماغ.
القلق، في جوهره، هو نظام للكشف عن التهديدات، طريقة الدماغ في نمذجة الخطر المستقبلي المُحتمل وحثّ الجسم على القيام بشيء حياله. ومع ذلك، فإنّ السمعة السيئة للقلق منطقية، فالشعور بالقلق غير مريح. لا أحد يستمتع بضيق الصدر قبل محادثة صعبة، أو الأفكار المُتسارعة في منتصف الليل، أو الارتعاش العصبي قبل الضغط على زر إرسال في بريد إلكتروني. لكنّ الشعور بعدم الارتياح هو بيت القصيد. فلو كان القلق مُمتعاً، لما غيّر سلوك البشر. إنّه فعّال لأنّه مزعج. وعندما يكون متناسباً مع الموقف، فإنه يمنح ثلاث فوائد على الأقل تستحق الحفاظ عليها.
(1): يساعد القلق على اكتشاف الخطر: يُمكن التعامل مع العديد من المواقف الصعبة بشكل أفضل عندما نتوقّعها قبل وقوعها: امتحان مُقبل، خطر صحّي، علاقة متوتّرة. القلق هو نتيجة قيام الدماغ بمحاكاة ما قد يحدث من أخطاء، ثم تركيز الانتباه لنلاحظ العلامات التحذيرية المُبكّرة. وبهذا المعنى، قد يُحسّن مستوى معتدلٌ من القلق الأداءَ المعرفي.
(2): يشير القلق إلى ما تهتمّ به: غالباً ما يُشير القلق مباشرةً إلى شيء يُقدّره الشخص، مثل الصحة، أو السلامة، أو الانتماء، أو الكفاءة، أو السمعة، أو العائلة. وهو بمثابة إشارة تقول: هذا الأمر مهمّ، فلنأخذه على محمل الجد. ما زلت أشعر بنبضة قلق في كلّ مرّة أنشر فيها مادة علمية. لقد تعلّمت ألّا أفسّر ذلك على أنّه مشكلة يجب حلّها، بل يعني أنّني أهتم بإنجاز هذا العمل على أكمل وجه.
(3): ينبّهك القلق عندما يحتاج شيء ما إلى التغيير: يمكن أن يكون القلق بمثابة نظام إنذار مبكّر، إشارة إلى أنّ التزاماتك الحالية قد تكون مرهقة للغاية أو محفوفة بالمخاطر أو غير متوافقة مع احتياجاتك. قد يعكس القلق المستمر بشأن وضعك المالي نمط إنفاق غير مستدام. أمّا الشعور بالضيق بعد يوم العطلة، والذي يتكرّر أسبوعياً، فنادراً ما يكون مرتبطاً بقائمة مهام اليوم الجديد ، بل غالباً ما يكون مرتبطاً بالعمل نفسه.
يكون القلق أكثر فائدة عندما يكون مُحدّداً، ومُتناسباً، وقابلاً للتنفيذ. والسؤال الأساسي ليس كيف أتخلّص من القلق؟ بل هل يشير هذا القلق إلى مشكلة حقيقية؟ بدلاً من محاولة كبت الإشارة، عليك استكشافها. هذا التغيير في طريقة التفكير يحوّل القلق إلى فضول. وهذا الفضول، بدوره، يقود عادةً إلى شيء مفيد وهو الفهم، والاستعداد، وأحياناً، اكتشاف الذات في نهاية المطاف.