اليسار أمام مرآته: آن أوان المراجعة
محمد علوش*:
نعم، ما زلت أصرّ على أن اليسار العربي والفلسطيني بحاجة إلى مراجعة جادّة، وشجاعة، وعميقة لوضعه ودوره، وليس المقصود بالمراجعة جلد الذات، أو التنكّر لتاريخ اليسار وتضحياته، بل استعادة قدرته على قراءة الواقع وفهم تحوّلاته وصياغة إجابات جديدة لأسئلة جديدة، فاليسار الذي لا يراجع تجربته يفقد تدريجياً قدرته على التأثير، والفكرة التي لا تتجدّد تتحول، مهما كانت عظمتها، إلى مجرد ذاكرة.
لقد كان اليسار، تاريخياً، أحد أهم روافع المشروع الوطني والقومي والاجتماعي، وحمل قضايا التحرر والعدالة الاجتماعية والديمقراطية وحقوق العمال والفقراء، ووقف في مقدمة المواجهة مع الاستعمار والاحتلال والاستغلال والاستبداد، وقدّم تضحيات كبيرة، ودفع أثماناً باهظة في سبيل ما آمن به.
لكن هذا التاريخ، على أهميته، لا يمكن أن يكون وحده جواز مرور إلى المستقبل، فلقد تغيّر العالم، وتغيّرت موازين القوى، وتحولت طبيعة الاقتصاد والعمل، وأعادت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي تشكيل الإنتاج وسوق العمل والعلاقات الاجتماعية، بينما تتسع الفوارق الطبقية وتتخذ أشكال الاستغلال والتهميش صوراً جديدة، وفي المقابل، ما زال جزء من اليسار يتحدث، في أحيان كثيرة، بلغة الأمس عن عالم لم يعد هو عالم الأمس، وهنا تكمن المسألة، فالمشكلة ليست في صلاحية فكرة اليسار، بل في قدرة اليسار على إنتاج صيغة معاصرة وفاعلة لهذه الفكرة.
وفي فلسطين، تبدو الحاجة إلى هذه المراجعة أكثر إلحاحاً، فاليسار الفلسطيني يمتلك رصيداً نضالياً وسياسياً وفكرياً كبيراً، لكنه لم ينجح، بالقدر المطلوب، في تحويل هذا الرصيد التاريخي إلى قوة سياسية واجتماعية مؤثرة تتناسب مع حجم التحديات الوطنية والاجتماعية الراهنة.
علينا أن نسأل أنفسنا، بلا خوف ولا مجاملة: لماذا تراجع حضور اليسار في المجتمع؟ ولماذا ابتعدت قطاعات واسعة من الشباب والعمال والفئات المهمشة عن أحزابه وتنظيماته؟ ولماذا أصبحت بعض قوى اليسار أسيرة حدود التمثيل السياسي والتنظيمي بدل أن تكون مشروعاً مفتوحاً لاستعادة المبادرة؟ وهل تكفي البيانات والمواقف السياسية، مهما كانت صحيحة، لبناء حضور جماهيري حقيقي؟؟!
هذه الأسئلة ليست ترفاً فكرياً، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها نقداً للرفاق أو انتقاصاً من التجارب السابقة، بل إنها أسئلة تتصل بمستقبل اليسار نفسه.
إن المطلوب ليس إعادة إنتاج اليسار القديم بوجوه جديدة، وإنما بناء يسار فلسطيني وعربي جديد، يحافظ على جوهر العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني، لكنه يمتلك أدوات جديدة في التفكير والتنظيم والعمل الجماهيري.
نحن بحاجة إلى يسار يرى العامل لا باعتباره شعاراً في المناسبات، وإنما باعتباره قوة اجتماعية أساسية؛ ويرى الشباب لا باعتبارهم جمهوراً انتخابياً عابراً، وإنما شركاء في صناعة القرار؛ ويرى المرأة شريكاً كاملاً في النضال والمجتمع؛ ويرى الثقافة والمعرفة والإعلام والتكنولوجيا ساحات أساسية للصراع؛ ويربط بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، دون أن يضع أحدهما في مواجهة الآخر.
ونحن بحاجة، كذلك، إلى مراجعة مفهوم التحالفات، فاليسار لا يستطيع أن يعيش في عزلة عن المجتمع والقوى السياسية والاجتماعية الأخرى، كما لا يستطيع أن يتحول إلى تابع لأي قوة أكبر منه، والمطلوب هو الانفتاح والشراكة على أساس برنامج واضح، مع الحفاظ على الاستقلالية السياسية والفكرية والتنظيمية.
والأهم من ذلك كله أن نستعيد ثقة الناس، فاليسار لا يستعيد دوره بالخطابات وحدها، وإنما بحضوره الحقيقي بين الناس: في مواقع العمل، والجامعات، والقرى، والمخيمات، والأحياء، وفي الدفاع اليومي عن حقوق الناس وحرياتهم وكرامتهم، فالسياسة بالنسبة إلى اليسار ليست موسم انتخابات، ولا مناسبة لإصدار البيانات، وإنما فعل اجتماعي يومي ومشروع حياة.
كما أن المراجعة المطلوبة يجب ألا تقتصر على الخطاب السياسي، بل ينبغي أن تطول الفكر والتنظيم والقيادة وآليات اتخاذ القرار والعلاقة مع الجماهير، وأن تفتح الباب أمام النقد الداخلي الحقيقي، بعيداً عن التخوين والتقديس والمجاملة.
لا يمكن أن نبني يساراً جديداً بعقلية تخشى السؤال، أو بتنظيمات تعتبر النقد تهديداً، أو بقيادات ترى في تداول المسؤولية انتقاصاً من مكانتها، فاليسار الذي لا يحتمل النقد لن يحتمل المستقبل، وقد آن الأوان للانتقال من سؤال: لماذا تراجع اليسار؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن أن يعود اليسار قوة فاعلة ومؤثرة في المجتمع؟
وهنا لا أعتقد أن البداية تكمن بالضرورة في توحيد التنظيمات في إطار واحد؛ فالوحدة التنظيمية ليست غاية بذاتها، وقد تكون بلا مضمون إذا لم تسبقها وحدة في الرؤية والبرنامج والأولويات، فالبداية الحقيقية تكون في بناء مساحة يسارية واسعة للحوار والتفكير والعمل المشترك، تتيح للقوى والأحزاب والشخصيات والمثقفين والنقابات والحركات الاجتماعية أن تلتقي حول القضايا الكبرى، وأن تستعيد السياسة من أسر التنظيمات المغلقة.
نحن لا نحتاج إلى يسار أكثر ضجيجاً، بل إلى يسار أكثر تأثيراً، ولا نحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى أفكار قابلة للتحول إلى سياسات ومبادرات، ولا نحتاج إلى اجترار الماضي، بل إلى قراءة نقدية له؛ نحتفظ بما يصلح للمستقبل، ونتجاوز ما تجاوزه الزمن.
إن اليسار العربي والفلسطيني أمام فرصة تاريخية، رغم كل ما يحيط بنا من أزمات، فالأزمات الاقتصادية والاجتماعية، واتساع الفجوات الطبقية، وتحولات النظام الدولي، والثورة التكنولوجية، وتبدل طبيعة العمل، كلها تطرح أسئلة جوهرية حول العدالة والمساواة ودور الدولة وحقوق العمل ومستقبل الإنسان، وهذه، في جوهرها، أسئلة يسارية بامتياز، لكن امتلاك اليسار لهذه الأسئلة لا يعني امتلاكه تلقائياً لإجاباتها، وعلينا أن نجرؤ على إنتاج إجابات جديدة.
نعم، ما زلت أصرّ على ضرورة مراجعة اليسار العربي والفلسطيني لوضعه ودوره، وأرى أن هذه المراجعة ليست ترفاً فكرياً ولا مناورة سياسية، بل ضرورة تاريخية وسياسية، فاليسار الذي يراجع نفسه لا يخون تاريخه؛ بل يحمي هذا التاريخ من التحول إلى متحف.
وإذا أردنا لليسار أن يكون جزءاً من المستقبل، فعلينا أن نمتلك شجاعة مغادرة بعض يقينيات الماضي، وأن نعيد اكتشاف جوهر اليسار: الإنسان، والحرية، والعدالة، والمساواة، والتحرر، والكرامة، فالمطلوب ليس أن يعود اليسار إلى ما كان عليه، بل المطلوب أن يصبح ما ينبغي أن يكون عليه.
* عضو المكتب السياسي لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني