ظاهرة الشحادة الإلكترونية تنمو وتزدهر
الدكتور سلمان صبيحة:
انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة، أطلق عليها (الشحادة الإلكترونية)، أو التسول الإلكتروني، الذي هو ليس حكراً على دولة دون أخرى، بل اعتبر ظاهرة عالمية عابرة للحدود ترتبط بالمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي (مثل تيك توك وفيسبوك وغيرها)، لكنها تبرز وتنشط بشكل ملحوظ في الدول التي تواجه تحديات اقتصادية أو انتشاراً واسعاً لبطالة الشباب. بتعبير آخر، التسول الالكتروني هو النسخة المتطورة عن التسول التقليدي، حيث يجري طلب المال أو المساعدات بأساليب جديدة غير تقليدية عبر الإنترنت.
ظهرت فكرة التسول الالكتروني بداية من استجداء (اللايكات والتعليقات)، وتطورت إلى طلب المساعدات النقدية والعينية تحت شعارات إنسانية بحت، وقد لوحظ في الآونة الأخيرة انتشار تجمعات ومنظمات ومراكز طفيلية في المجتمع الافتراضي تدّعي مساعدة المحتاجين والفقراء، فيتسولون بإسمهم ويتاجرون بمعاناتهم، فيعطونهم القليل ويحتفظون لأنفسهم بالكثير، حتى أصبحت التجارة بمصائب الناس واستغلال حاجاتهم وفقرهم وبؤسهم شطارة، وتحولت هذه المهنة إلى مصدر دخل كبير ومريح، وسوق عمل واسع، مربح مادياً ومعنوياً ومميزاً، وتحت لافتة إنسانية عريضة ومسميات براقة كلها تدغدغ العواطف والمشاعر الإنسانية، فقسم منها يتغطى تحت لافتة الجمعيات الخيرية والنوادي الاجتماعية، وقسم آخر ينشط تحت مسميات منظمات وفرق إغاثة دولية .
يقال إن عصابات منظمة وشبكات إجرامية تشبه (المافيا) تقف وراء التسول الإلكتروني عبر منصات التواصل الاجتماعي، فتحولت هذه الظاهرة من حالات فردية محتاجة إلى عمليات نصب احترافية تدار بطرق ممنهجة تستغل العاطفة، فتقوم هذه العصابات المنظمة باستخدام أساليب عمل في إدارة شبكات عشرات الحسابات الوهمية على منصات التواصل لتكرار نشر رسائل الاستغاثة ذاتها أو تبديل الحسابات عند حظرها، كذلك استغلال الأطفال والمرضى وتصويرهم داخل أستوديوهات أو غرف مجهزة لاستدرار عطف المتبرعين، طبعاً في الغالب لا يذهب المال إلى الشخص الظاهر في الفيديو أو البث المباشر، بل يتم تحويله عبر قنوات دفع رقمية وعملات مشفرة أو وسطاء إلى رؤساء الشبكات المنظمة.
في موازاة ذلك لوحظ انتشار العديد من المنصات الإلكترونية أيضاً التي تعمل في المجال نفسه، فشاهدنا هذه المنصات تبحث (بكل حنية وإنسانية) عن المحتاجين أمام الكاميرات وتقدم المساعدات والتبرعات لهم بشكل استعراضي على شكل المسابقات التي كنا نراها (واحد زائد واحد …الخ)، أو على طريقة الأفلام الهندية التي نراها حالياً لتحقيق الأحلام والرغبات، أو عبر تقديم مبالغ نقدية من فلان، ومن علان وبشكل محرج ومذل في كثير من الأحيان لصاحب الحاجة البسيط، وكذلك رأينا البعض من المحسنين (وخاصة الجدد)، أصبح همهم الوحيد أن يصوروا أنفسهم وهم يقدمون المساعدات والتبرعات لهؤلاء البؤساء و يزورون المرضى في المشافي ويتصورون معهم بشكل استعراضي مقيت وكأنهم ملائكة الرحمة أتت لإنقاذهم، لكن في حقيقة الأمر أن بعض هذه المنصات كانت تحصل على الكثير من الأموال مقابل التسويق والمديح لهذا المتبرع، أو لتلميع تلك الجهة، إما لتبييض الأموال، أو لتبييض الايادي السوداء الملوثة بجرائم التجارة غير الشرعية، أو بالأعمال المشبوهة وغير القانونية (كما يعتقد البعض) .
من جانب آخر يؤكد المهتمون بهذه المسألة، أن الخطير في ظاهرة الشحادة الإلكترونية ليس فقط ارتباط نشاطها بما بات يعرف بـ (مافيات الأيادي البيضاء)، التي تقوم باستغلال حاجة الناس الفقراء، البؤساء والمعترين وتحولهم إلى متسولين افتراضين يخدمون عندهم كعبيد، بل وتقوم هذه العصابات والمافيات باستغلال حاجاتهم وتتاجر بأعضائهم، وتشرف على وتنظم عملية شراء أو اختطاف أطفالهم أو بناتهم وتقوم بتسهيل نقلهم إلى أماكن مجهولة على غرار جزيرة إيبستين (سيئة الصيت) وغيرها من الأماكن المشبوهة مقابل مبالغ نقدية كبيرة، أو مقابل تأمين مصالح مشتركة وتسهيل تقديم خدمات لوجستية متبادلة وذلك عبر شبكات إجرامية عالمية.
بالمقابل أيضاً نجد أن هناك بعض الشحادين أو المشرفين عليهم، والذين أصبح لديهم خبرة كبيرة في هذا المجال ومتمرسين بالمهنة يضعون أرقام هواتفهم مع أرقام حساباتهم البنكية بكل جرأة ووقاحة من أجل التواصل معهم، وتحويل التبرعات والمساعدات المالية مباشرة على تلك الارقام ودون وسيط.
من الجدير بالذكر، أنه يوجد العديد من الجمعيات الخيرية والأهلية في الكثير من الدول، تعمل بكل حرص ومسؤولية وتقدم المساعدات للفقراء والمحتاجين بشكل إنساني وحضاري ومحترم، بعيداً عن الاستعراض، والتصوير والبروظة والإحراج، معتبرين أن من يريد أن يساعد فعلاً، لا يلجأ لهذا الأسلوب الرخيص، بل يساعد بصمت وهدوء وسرية مطلقة.
بالمقابل يقول بعض الخبراء والمتابعين لملف الجمعيات الخيرية وعملها: (مع احترامنا وتقديرنا للدور الكبير والهام للجمعيات الخيرية، وجمعيات المجتمع الأهلي والمدني في تقديم الخدمات والمساعدات للفقراء والمحتاجين، فهذا يجب أن لا يكون هو الحل الوحيد والمثالي لمشكلة الفقر والتسول، بل هذه المهمة بالأساس تقع على عاتق الدولة ومؤسساتها الرسمية، ولا يمكن للجمعيات الخيرية أو الجمعيات المدنية والأهلية أن تكون بديلاً عنها أو تحل محلها في حل هذه المعضلة الخطيرة، فمن مهام الدولة ومن واجبها حل المشاكل والصعوبات الاقتصادية والاجتماعية، وهي المسؤولة والمعنية بشكل مباشر بالتخلص من آفة التسول تحديداً، وهذا يتطلب حل مشكلة الفقر بشكل حقيقي وجذري، ولا يكمن فقط في تقديم المساعدات المؤقتة، لأن توزيع المساعدات يعالج الأعراض لفترة قصيرة ولا ينهي جذور المشكلة)، ومن هذا المنطلق ومن باب الحرص على سلامة المجتمع يطرحون بعض المقترحات والتوصيات التي يمكن أن تساعد في حل مشكلة التسول والفقر بشكل عام وهي :
١- تحسين المستوى المعيشي للشعب، وتأمين مصادر متعددة للدخل وزيادتها باستمرار.
٢- اتباع سياسات التنمية المستدامة لتأمين فرص عمل حقيقية ودائمة لكل القادرين على العمل.
٣- دعم الاقتصاد والإنتاج و المشاريع الإنتاجية، وإطلاق مشاريع صغيرة ومتوسطة تمنح الفقراء أدوات إنتاج دائمة بدلاً من العطايا المؤقتة.
٤- إصلاح الرواتب والأجور وزيادتها باستمرار لتتناسب طرداً مع تكاليف الحياة المعيشة الأساسية للأسر.
٥- تطوير قطاعي التعليم والتدريب المهني لكي تلبي متطلبات واحتياجات سوق العمل.
٦- إصلاح النظام التقاعدي وتشميل كل من بلغ سن التقاعد بغض النظر إن كان موظفاً أو عاملاً عند الدولة أم لا، وتفعيل صندوق التكافل الاجتماعي، وصندوق مكافحة البطالة وغيرها من الصناديق الاجتماعية، وتأسيس مظلة حماية اجتماعية واسعة تشمل كل الشرائح الاجتماعية وخاصة الهشة اقتصادياً، وتتكفل بمتطلبات الحد الأدنى لتكاليف المعيشة وتلتزم بتأمين الرعاية الصحية المجانية للجميع.
إن نجاح أي دولة في العالم وتقدمها مرتبط بالحفاظ على أمن وسلامة الوطن والمواطن، وعلى مدى رعايتها وحرصها على حرية وكرامة شعبها، وتأمين احتياجاته الأساسية.