الحسّ العامّ.. والمجتمع
يونس كامل صالح:
قد يبدو لأول وهلة أن من المفروض أو البداهة أن يمتلك كل إنسان حسّاً عامّاً يلجأ إليه ويستعمله في تسيير أموره أو الإبحار بسفينة ذاته وأتباعه في المحيط والمجتمع.. لكن الوقائع والتجارب تؤكد للمتتبع أنه لو لجأ الناس إلى حسّهم العامّ فعلاً واستعانوا به لهبطت حدّة المشكلات والاحتكاكات والمصادمات إلى مستوى يثلج الصدور.. مما يدل على أن الحس العام قليل الاستعمال في مجتمعنا، ولا نجازف إذا قلنا إنه نادر الوجود، أو هو موجود فعلاً مع ندرة اللجوء إليه. وفي هذا قال أحد الحكماء الساخرين: إن الحسّ العام، غير عام ونادر الوجود. وشاهدُنا على صحة هذا الحكم ما نلمسه من مصاعب تنجم بسبب انتفاء الحسّ العام: كمجرد الروتين وتزمّته.. والتمسك بحرفيات القوانين والتعليمات، فالإداري الممتاز والقاضي الناجح هو الذي يمتلك من المرونة وسعة العقل ورحابة الصدر ما يكفي لتكوين حسّ عامّ يطبّق القوانين والأنظمة والتعليمات، لا بنصوصها بل بروحها، دون المساس بها وبحرمتها وتأثيرها.
والحس العام لا يعتمد على الذكاء الصرف، أو بالأحرى إن وجود الذكاء ليس شرطاً أساسياً لوجود الحس العام، لأن الذكاء أحياناً يفتقر إلى الحكمة، والفرق بينهما شاسع. وما أود التأكيد عليه أننا قد نجد شخصاً ذكياً جداً، وذا ملكة عقلية كبيرة، ومع ذلك فإنه قد لا ينجح في حياته العائلية أو في حل مشكلاته الآنية أو أموره الاجتماعية، أي أنه تعوزه تلك الحكمة والغيرة الحياتية العملية. فالحس العام ليس إذاً ذكاء صرفاً، بل قابلية على ربط الأشياء برباط جدلي واستنباط الحلول المناسبة والأجوبة الشافية لها. كذلك فإن الحسّ العام ليس الثقافة، ولا يعتمد على التعليم في المدرسة والجامعة، فكثير من الحكماء المشهورين كانت مدرستهم هي الحياة. إذاً، فالحس العام قد يستند إلى المعرفة والثقافة، لكنه ليس المعرفة والثقافة حصراً وليس الشهادات الجامعية، لأنها شهادات في حقل معين من علوم الحياة، وليست شهادات خبرة في الحياة أو فطنة في مجابهة الصعاب.
يتبين مما تقدم أن الحس العام هو دون جدال موهبة عقلية تستند إلى استعداد وقابلية فطرية مضافاً إليها ذكاء مناسب وخبرة كافية وثقافة شافية تمتزج جميعها بمقادير ونسب ومعدلات متناسقة ومتوازية لتجعل المرء إنساناً يخوض غمار الحياة بذهن جامح ولامع وقدير.
ولكن هل يمكن للتربية وعلم الاجتماع أن تؤثرا في هذه العوامل وتتدخلا لتنمية وتعميم الحس العام النادر؟ هذا سؤال وجيه. لقد أجاب عليه أهل التربية وعلم الاجتماع بنعم، وذلك باتباع أساليب التوعية المستمرة للناشئ والجيل الجديد والاستعانة بالرياضة العقلية في التعليم الثانوي والجامعي، وهو التعليم الذي لا يعتمد على الإملاء والنسخ، بل على البحث والتقصي والمناقشة والتحليل، لأن المناقشة والحوار والتحليل تجلي الصدأ عن العقول، وتكسر القيود وتتيح للإنسان الكشف عن العلاقات المنطقية بين الأشياء والمفاهيم.. وربط النتائج بالأسباب.. والظواهر بالبواطن.. والنظرة الشاملة. بذلك يصبح الحس العام ملكة عقلية ليست صعبة المنال، بل أشبه بعادة اجتماعية سائدة، وأسلوباً في التعامل مع الحياة.. من أجل حياة أجمل وأفضل وأهدأ.