التجاذبات السياسية حرمت طلاب السويداء من حقّهم

السويداء – معين حمد العماطوري:

بعد التحضير اللوجستي الذي قامت به الحكومة المؤقتة لإنجاز الدورة الامتحانية الاستثنائية، لطلاب شهادتي التعليم الأساسي والبكالوريا من أبناء السويداء، التي جاءت بناءً على المرسوم رقم ١٦٣ الصادر بتاريخ ١٧/٨/٢٠٢٦، وبعد إصدار وزارة التربية التعليمات التنفيذية للمرسوم، وتحديد برامج الامتحانات في قرى الريف الشمالي للمحافظة، وهي قرى منكوبة هُجّر أهلها منها منذ مجازر تموز 2025، وتنتشر فيها وحدات من قوات الجيش والأمن العام، بعد هذا وذاك، خاضت السويداء بحراً هائجاً من التناقضات بين موافقين على تقديم الامتحان، رغم الصعوبات والعوائق، ومعارضين للتقديم، يطالبون بإجراء الامتحان في مدينة السويداء حصراً، لا في الريف الشمالي، وبإتاحة فرصة زمنية أطول للتحضير، وبرنامج مريح للطلاب.

وقد نشرت جريدة (النور)، في العدد الماضي، أن أهالي الطلاب والطالبات كانوا قد نظَّموا، على مدى أكثر من شهرين، نشاطات ووقفات احتجاجية، طالبوا فيها بدورة استثنائية لأبنائهم في مدينة السويداء؛ لأن التعليم حقّ، وطالبوا أيضاً بإبعاد ملف التعليم عن التجاذبات السياسية، كما طالبوا بتعيين مدير للتربية في السويداء. وقد شاركهم في تلك النشاطات والوقفات ناشطون ومهتمون، ونقابة المعلمين، ونشرت صفحات عديدة على وسائل التواصل تغطياتٍ لهذه النشاطات.

 

95% حُرِموا في الدورة العادية

لم تكتمل فرحة طلاب السويداء وأهاليهم بالمرسوم ١٦٣، الذي يُفترض أن يستفيد منه ٩٥% من طلاب وطالبات السويداء للمرحلتين الإعدادية والثانوية لم يتمكنوا من تقديم امتحاناتهم، في الدورة العادية لعام 2026، بسبب تجاذبات سياسية، آنذاك، أفضت إلى قرار أصدرته الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، منعت بموجبه إجراء الامتحانات لطلاب السويداء في السويداء، وفرضت عليهم إجراءها في ريف دمشق، غير أن نسبة من أُتيح لهم أن يتقدموا للامتحان، آنذاك، لم تتجاوز 5% من أصل 13500 طالب وطالبة، فقد استطاع هؤلاء الـ5% أن ينزلوا إلى جرمانا أو أشرفية صحنايا قبل فترة كافية من بدء الامتحانات، واستأجروا شققاً أقاموا فيها مع أفراد من أسرهم حتى نهاية  الامتحان، بينما قاطعها أو حُرِم منها نحو 95% من الطلاب والطالبات ، بسبب حواجز (الحرس الوطني) التي أغلقت الطريق الوحيد إلى دمشق ومنعتهم من النزول لتقديم الامتحان. فهل استطاع هؤلاء أن يستفيدوا من الفرصة التي أتاحها المرسوم؟!

 

بين رأيين متعارضين!

بعد صدور التعليمات التنفيذية للمرسوم 163، بدا أن نسبة كبيرة من الطلاب، ويساندهم أهلهم في ذلك، تريد أن تتقدم للامتحان، رغم أن البرنامج مضغوط، والوقت المتاح للتحضير والمراجعة ضيّق ومحدود، والمراكز الامتحانية تقع في قُرى منكوبة وأهلها مهجّرون منها منذ تموز 2025، ولم يُسمح لهم بالعودة إليها، كما أنها بعيدة عن قُرى الطلاب وأحيائهم (ما بين 20 إلى 100 كم). يضاف إلى هذه النسبة عددٌ غير قليل من طلاب الشهادة الثانوية الذين حُرِموا، في العام الماضي بسبب مجازر تموز، من إكمال امتحاناتهم، وعددهم أكثر قليلاً من 5000 طالب وطالبة.

وبدا أيضاً أن قسماً آخر من الطلاب والأهالي يرفضون تقديم الامتحان في هذه المراكز، ويطالبون بأن تكون المراكز داخل مدينة السويداء، واقترح البعض أيضاً أن تُفتتح مراكز في شهبا وصلخد، مثلما كان الوضع قبل دورة 2025. ولكلّ من القسمين حججه ومبرراته.

 

لماذا؟ وكيف؟ وهل نسيتم؟

فالمعترض يسأل: لماذا لم تكن الامتحانات داخل السويداء وفي مدارسها؟ إذ يبقى الطالب حينئذٍ نفسياً أكثر راحة وطمأنينة على حياته ونفسه في مدينته، خاصة بعد تعرّض محافظة السويداء، في تموز 2025، لمجزرة ما زال الناس يستذكرون ويعيشون تبعاتها وآثارها السلبية.

وجادل المعترضون بأن البرنامج الامتحاني مضغوط، في أسبوع أو تسعة أيام فقط، رغم أن مراجعة بعض المواد تحتاج على الأقل إلى يومين أو ثلاثة، واعتبروا ذلك تعجيزاً حقيقياً.

وأكدوا أن المعنيّين في السويداء، في النقاشات التي سبقت الامتحانات، لم يرفضوا دخول المندوبين من الوزارة للإشراف على الامتحانات، إلى السويداء، وتكفَّلوا بحمايتهم وترفيقهم.

تجدر الإشارة هنا إلى أن بعض الناشطين على وسائل التواصل الاجتماعي من أبناء السويداء، أطلقوا، آنذاك، تهديدات علنية رافضين دخول مندوبي الوزارة إلى السويداء، بل إنهم رفضوا قرار الوزارة تعيين مدير للتربية من أبناء السويداء، وهجم بعض المسلحين آنذاك على مديرية التربية وأجبروا الموظفين والموظفات فيها على مغادرتها، حتى لا يستلم مدير التربية المعيّن مهامه، بل إن بعضهم أطلق النار في الهواء فوق رؤوس من أجبروهم على مغادرة مكاتبهم!

وشدّد بعض المعترضين على أن دماء الشهداء الذين سقطوا في مجازر تموز 2025 قد تذهب سدى، بتنفيذ قرارات الحكومة المؤقتة على حساب الطلاب، وأن في ذلك استهانة بأرواحهم الطاهرة.

 

التعليم حقّ

أمّا الموافقون والراغبون في أن يقدّم أبناؤهم وبناتهم الامتحان، فيحملون رؤية مختلفة، إذ أكدوا أن تقديم الطلاب امتحاناتهم في هذه الدورة حقٌّ لهم وليس لأحد، استناداً إلى دوافع سياسية، أن يحرمهم هذا الحقّ، وهي خطوة أساسية لضمان مستقبلهم، وأنه لا بد من الفصل بين الموقف السياسي والملفّات الخدمية، وخاصة التعليم ومستقبل الطلاب. وقال غيرهم إن من لا يريد أن يبعث ابنه أو ابنته إلى الامتحان، أيّاً كان السبب أو الدافع لذلك، فهذا أمر يخصّه، ولكن ليس من حقّه أن يمنع غيره، أو أن يلصق به اتهامات لا أساس لها، واعتبر بعضهم أن المرسوم 163 منح طلاب السويداء دورة استثنائية وفرصة للتعويض عمّا فقدوه في الدورة الامتحانية العادية لعام ٢٠٢٦، ومنح أيضاً لمن لم يتمكن من إكمال الامتحانات في العام الماضي فرصة جديدة ينتظرونها منذ سنة .

 

صباح الامتحان.. صدمة

في الوقت الضيّق بعد صدور التعليمات التنفيذية للمرسوم، استعدّ كثير من الطلاب وأهاليهم للامتحان، وجرت عدّة مبادرات لتأمين وسائل النقل للطلاب من قراهم وأماكن سكنهم إلى مراكز تقديم الامتحان في الريف الشمالي، وإعادتهم يومياً، ولكن الجميع فوجئوا في الصباح الباكر ليوم السبت، أول أيام الامتحان، بأن عدّة حواجز مسلّحة نُصِبَت في طريقهم، ومُنعت بالقوّة وسائل نقل الطلاب وتعرّض سائقوها للتهديد، وجرى إغلاق طريق السويداء دمشق، في كلٍّ من السويداء وشهبا، لمنعهم من الوصول إلى الريف الشمالي، وتفاقمت الأزمة وظهرت تجمّعات للأهالي والطلاب قرب الحواجز، وتكررت محاولات لإقناع المسلحين بفتح الطريق والسماح للطلاب بالوصول إلى مراكزهم قبل بدء الامتحان، لكن بدا أن المسلحين تلقّوا أوامر مشدّدة بعدم التساهل.

وحضر مراسلو وسائل إعلام وصفحات إخبارية محلّيّة إلى مواقع الحواجز، وأُجريت لقاءات نُشِر قسم منها، لكن الوقت مضى دون جدوى.. لقد خسر الطلاب فرصتهم!

 

مرشد: القرار للأهالي!

القاضي شادي مرشد المكلَّف بتشكيل مجلس إدارة السويداء، سُئل قبل أسبوع من بدء الامتحانات، في لقائه مع إعلاميين، فأجاب بأن قرار المشاركة في الامتحان، أو عدم المشاركة، متروك لأهالي الطلاب وللطلاب أنفسهم.

ولكن للأسف ظل هذا الموقف كلاماً، ولم يُلحَظ له انعكاس أو تأثير على أرض الواقع، وبدا أن الكلمة الأخيرة لمن يحملون السلاح ويقيمون الحواجز!

 

مديرية التربية غائبة..

أم مغيّبة؟!

أمّا مديرية التربية في السويداء، التي ما زالت منذ عدّة أشهر دون مدير، والتي غابت أو غُيّبت عن جولة الوزير يوم 20/8 على المراكز الامتحانية، فقد أعلنت يوم 23/8/2026: (ندرك من وجهة نظر تربوية أن البرنامج الامتحاني الخاص بالشهادتين ضاغط زمنياً، ولا يتيح تكافؤ الفرص مع الطلاب الذين تقدموا للدورة الامتحانية العادية، وأن الانتقال لمسافة تزيد عن مئة كيلو متر يسبب إرهاقاً جسدياً ونفسياً للطلاب).

وبسبب تغييبها لم تستطع أن تُبدِي رأياً في تطورات سير العملية الامتحانية!

ويُذكَر هنا أن الحواجز التي منعت الطلاب، منعت أيضاً المدرسين والمدرسات من السويداء، من الالتحاق بالمراكز الامتحانية، للقيام بالمراقبة والأعمال الإدارية أثناء الامتحان.

 

الأمم المتحدة.. قلق!

ماريان وارد (المنسقة المقيمة للأمم المتحدة والمنسقة الإنسانية بالإنابة في سورية) رحّبت بصدور المرسوم 163، لكنها أعربت عن قلقها (إزاء التطورات الأخيرة في السويداء المتعلقة بمنع الطلاب من الوصول إلى مراكز الامتحانات ومواجهتهم قيوداً أخرى على الحركة).

بلسان الآباء والأمهات

 

إحدى السيدات عبّرت بحرقة، عن الموقف، وهي تقف مع عدد من الأهالي والطلاب على أحد الحواجز: (هناك من عشّمنا بأن قرار المشاركة متروك لنا، وأنهم في مرحلة معينة سيكونون معنا، ولكن حين وصلنا إلى هذه المرحلة لم نرَهم)!

صفحة (صَوْتُ أَهَالِي طُلَّابِ السُّوَيْدَاءِ) نشرت ظُهر يوم السبت (أول أيام الامتحان)، منشوراً مفعماً بالحزن والأسى على الحاضر والمستقبل، وممّا جاء فيه:

(‏اليوم سقط ملف التعليم في السويداء، وانتصرت الدعوة إلى الجهل وهي ترتدي ثوب الكرامة، وبانتصارها سقطت السويداء.

‏‏كان ملف التعليم ملفّاً حقوقيّاً، يدين سلطة الأمر الواقع في دمشق في كل تفاصيله، لكنه تحوّل اليوم إلى ورقة تتبادل عبرها سلطات الأمر الواقع في السويداء ودمشق الهدايا في المواقف، على حساب حقّ الطلاب في التعليم).

العدد 1213 - 2/09/2026