قطاع النقل البري في حماة.. استثمارات خاصة على حساب القانون ومصدر دخل العائلات
(النور)- خاص:
(عم تقطعوا برزقة الناس.. ليش؟)، ترددت هذه العبارة على لسان أحد سائقي شاحنات نقل البضائع، خلال اعتصامٍ حاشد بشاحناتهم أمام مبنى محافظة حماة، يوم الأحد الماضي 23 آب (أغسطس)، تزامن مع قطع الطريق في ساحة العاصي لفترة من الوقت.
هذه الاحتجاجات ليست وليدة اللحظة، إذ سبقتها احتجاجات متفرقة لسائقي الشاحنات خلال فترات متباعدة، بمطالب واحدة لم تتغير ولم تُلبَّ: العدالة في توزيع الدور، وحماية قطاع النقل البري.
وفقاً للمعلومات المتوافرة وما أعرَب عنه السائقون أثناء احتجاجهم، فإن المشكلة الأساسية تكمن في احتكار جهات خاصة لسوق نقل حمولات المعامل التابعة للقطاع العام، وبشكل خاص معملي الإسمنت والحديد وحمولات الحنطة. إذ تعمل هذه الجهات -التي تتكون بشكل أساسي من تجار ومستثمرين جدد أُتيحت لهم فرصة التعهد بقطاع النقل البري بموافقة من مديرية النقل والجهات الرسمية- على مخالفة قوانين تنظيم الدور في مكاتب نقل البضائع بين السائقين العاملين على الخط والتابعين للقطاع العام، مع إفساح المجال لأشخاص مقربين منهم للقيام بهذه المهمة والانتفاع منها بشكل غير قانوني، أو توظيف شاحنات خاصة مملوكة لهم، متجاوزين الشاحنات المسجلة في قطاع النقل.
يحتوي مكتب تنظيم الدور، وفقاً لتصريح أحد المحتجين لموقع (عنب بلدي)، على 800 سيارة شحن تقف جميعها اليوم بلا عمل. وقد دفع هذا الوضع الكثير من السائقين إلى بيع سياراتهم التي كانت تساوي آلاف الدولارات قبل توقفها عن نقل بضائع المعامل، والتخلي عن المهنة التي كانت مصدر رزقهم لسنين طويلة. في المقابل، مكّن هذا الاحتكارُ العديدَ من التجار من امتلاك أسطول من سيارات الشحن، وساهم في فرض الشاحنات الخاصة لتفريغ المواد وتحميلها من داخل المنشآت الحكومية، متجاوزة مكتب الدور بالقوة والنفوذ المالي، ومُتجاهلة القوانين الناظمة لقطاع النقل البري؛ ولا سيما القرار رقم 924 لعام 1984 والتعميم الوزاري رقم 8103/38/غ المتعلقَيْن بتنظيم عمليات نقل الحمولات وتحديد آلياتها، من خلال إدراج حمولات مؤسسات وشركات القطاع العام ضمن نظام مكاتب الدور، مع استثناء خاص للشاحنات المملوكة بالكامل للمنشأة أو الشركة نفسها لنقل منتجاتها وفق شروط الملكية المعتمدة.
وفي تصريح رسمي للمتحدث باسم السائقين في مكتب الدور بحماة، محمد عبد الجبار حلبية، للموقع ذاته، أكد أنهم تقدموا باستدعاء رسمي للمحافظة في 2 آب (أغسطس) وحصلوا على رقم مراجعة أصولي، غير أن المعاملة دخلت في دوامة من المماطلة والتسويف.
وبيّن حلبية أنه (رغم عقد اجتماع مع المسؤولين والحصول على وعود بمتابعة القضية مع الأطراف المعنية، لم يُنفّذ أي حل ملموس على الأرض، وهو ما دفع الأهالي والسائقين إلى الخروج بمسيرة احتجاجية في ساحة العاصي للمطالبة بإنهاء هذه التجاوزات)، موضحاً أن الاجتماع انتهى بوعد من اللجنة الإدارية والمستثمرين بمعالجة الملف خلال عشرة أيام، دون تحديد آلية للتنفيذ أو تقديم ضمانات فعلية.
وطالب المتحدث الجهات المعنية بـ (التدخل العاجل لإعادة الأمور إلى نصابها القانوني، وتطبيق القرارات الوزارية بحزم، وإبعاد الجهات التي تستغل نفوذها لفرض أشكال غير قانونية من التحميل على حساب قوت السائقين ومكاتب النقل الرسمية).
(مشان تاجر واحد تموّت مليون، موّتتنا، وحقّ خبز ما ظلّ، والسيارة ضريبتها خمسة مليون بالسنة)، ردد سائق آخر بغضب وهو يضرب بيده على شاحنته أثناء احتجاج ساحة العاصي، ملخصاً الوضع بجملة واحدة: تجار يحتكرون قطاع النقل، وفرص تُتاح لسائقين بناءً على المحسوبيات، فيما يتوقف سائقو شاحنات أمضوا سنوات طويلة في المهنة عن العمل وتُهدر حقوقهم علناً، وتفقد عائلات بأكملها مصدر رزقها.
وفي وقتٍ تصبّ فيه كل المطالب في خانة واحدة -وهي تطبيق القانون، وإلغاء الاستثناءات والمحسوبيات، وإعادة الحمولات الحكومية إلى مكتب الدور ضماناً لتكافؤ الفرص والعدالة بين الجميع- يبقى السؤال قائماً حول مدى جدية الجهات المعنية في استعادة القطاع العام من أيدي النافذين. إنّ هذا الحراك لا يُمثّل فقط أزمة معيشية لعائلات فقدت مصدر رزقها أو مهددة بفقدانه، بل يعكس تنامياً لوعي عمالي ونقابي يُحدد خصومه بدقة، ويرفض أن تُدار القطاعات العامة الحيوية بمنطق الاستثمارات الخاصة والأرباح الفردية التي تساهم في هدر حقوق السائقين ومخالفة القوانين الناظمة على حد سواء، بعلم وموافقة دوائر صنع القرار.