حين تنقطع سورية عن العالم.. أزمة الاتصالات تكشف هشاشة البنية الرقمية
سليمان أمين:
لم تعد أزمة الاتصالات والإنترنت في سورية مجرد مشكلة تقنية عابرة. ففي صيف 2026، تحولت شكاوى المستخدمين من بطء الشبكة وتذبذبها إلى حالة أوسع من الاضطراب، وصلت في بعض المناطق إلى شبه انعدام لخدمات الإنترنت والاتصالات، مع تسجيل تأثيرات لافتة في محافظة اللاذقية، حيث يجد مستخدمون أنفسهم أمام خدمة لا تسمح في كثير من الأحيان حتى بالاتصال الرقمي الأساسي.
المشكلة لا تتعلق بشركة واحدة. فالتدهور طال خدمات الشركة السورية للاتصالات، كما طال شبكات الهاتف المحمول التابعة لسيريتل وMTN، الأمر الذي يجعل السؤال أكثر تعقيداً من مجرد عطل محلي في شبكة مزود واحد. وعندما تتراجع خدمات البنية الثابتة والمحمولة في الوقت نفسه، يصبح من المشروع البحث في البنية التحتية المشتركة التي تعتمد عليها هذه الخدمات، وفي درجة جاهزية الشبكة الوطنية للتعامل مع الأعطال الكبيرة. فالتفسير المتداول رسمياً، في الحالات التي أُعلن فيها عن وجود خلل، يتمحور حول عطل في الكبل الضوئي. وهذا تفسير تقني ممكن من حيث المبدأ، إذ تعتمد شبكات الاتصالات الحديثة على الألياف الضوئية في نقل كميات ضخمة من البيانات، وأي انقطاع أو تضرر في مسار رئيسي يمكن أن ينعكس سريعاً على مناطق واسعة. ولكن المشكلة ليست في كون هذا التفسير غير ممكن، بل في أن عبارة عطل في الكبل الضوئي لا تجيب وحدها عن الأسئلة التي يطرحها حجم التأثير ومدته.
أي كبل تحديداً؟ أين وقع العطل؟ هل هو داخل المحافظة أم خارجها؟ هل يتعلق بمسار رئيسي أم مسار فرعي؟ هل توجد مسارات بديلة؟ وهل تعمل آليات التحويل التلقائي إلى المسارات الاحتياطية؟ وما المدة المتوقعة للإصلاح؟ وهل المشكلة مرتبطة بالبنية التحتية المحلية أم بمسار وطني أو دولي؟ هذه التفاصيل ضرورية جداً بالنسبة للمواطنين. في قطاع الاتصالات، تشكل المعلومات الدقيقة جزءاً من إدارة الأزمة نفسها، لأن المستخدم والشركات والمستثمرين يحتاجون إلى معرفة طبيعة الخلل لتقدير آثاره.
عطل تقني أم مشكلة بنيوية؟!
تكمن إحدى أهم النقاط في أزمة الاتصالات السورية في أن جودة الخدمة لا تتحدد فقط بعدد أبراج الهاتف أو كمية الكابلات الموجودة على الأرض. المسألة ترتبط بما يسمى مرونة الشبكة، أي قدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمة عندما يفشل أحد مكوناتها. فالشبكات الأكثر قدرة على الصمود لا تعتمد عادة على مسار واحد لنقل البيانات، بل تستخدم مسارات متعددة ونقاط ربط بديلة، بحيث يؤدي تعطل أحدها إلى تراجع الخدمة بدلاً من انهيارها بالكامل. ومن هنا، فإن تكرار الانقطاعات أو وصول آثار العطل إلى مستويات واسعة ينبغي أن يفتح نقاشاً أوسع حول تصميم شبكة الاتصالات السورية، وليس فقط حول سبب العطل الأخير. فإذا كان انقطاع كبل واحد قاد إلى تدهور شديد في خدمات منطقة واسعة، فإن السؤال الاستراتيجي يصبح: هل المشكلة في الكبل نفسه، أم في محدودية البدائل التي يفترض أن تحمي الشبكة من أثر انقطاعه؟
هذا التفريق مهم. فالكابلات يمكن أن تتعرض للقطع نتيجة أعمال حفر أو ظروف فنية أو حوادث أو عوامل أخرى. أما استمرار التأثير الواسع لفترة طويلة، فيرتبط أيضاً بقدرة البنية التحتية على امتصاص الصدمة.
اللاذقية كحالة اختبار
تقدم اللاذقية نموذجاً مهماً لدراسة هذه المشكلة. فالمحافظة ليست مجرد منطقة سكنية، إنها تضم نشاطاً تجارياً وخدمياً وصناعياً وسياحيّاً، وترتبط بحركة اقتصادية ومؤسساتية تحتاج بصورة متزايدة إلى الاتصال الرقمي. فضعف الإنترنت في مثل هذه البيئة لا يعني فقط أن المستخدم لن يستطيع مشاهدة مقطع فيديو أو استخدام منصة اجتماعية. فهو يمكن أن ينعكس على المدفوعات الإلكترونية، والعمل عن بعد، والخدمات الحكومية، والاتصالات التجارية، والتعليم، والخدمات المصرفية، وإدارة المؤسسات. كما أن الاعتماد المتزايد على الهواتف المحمولة يجعل تراجع شبكات الاتصالات أكثر حساسية. فالهاتف المحمول لم يعد مجرد وسيلة للمكالمات، بل أصبح بوابة إلى العمل والمعلومات والخدمات والتحويلات المالية والتطبيقات المختلفة. ولهذا، فإن انقطاع الإنترنت في منطقة واسعة يحمل تكلفة اقتصادية غير مرئية قد تكون أكبر من قيمة الاشتراك الشهري الذي يدفعه المستخدم.
المشكلة الأعمق:
غياب المعلومات
ربما يكون الجانب الأكثر إثارة للقلق في هذه الأزمة هو الفجوة بين تجربة المستخدم والمعلومات المتاحة له. فعندما يواجه المواطن خدمة تكاد تكون معدومة، بينما لا يحصل سوى على تفسير مقتضب عن عطل في الكبل الضوئي، تتسع مساحة التكهنات. وفي غياب البيانات، يبدأ المستخدم في البحث عن تفسيرات بديلة، بعضها تقني وبعضها إداري وبعضها سياسي.
وهنا تصبح الشفافية أداة تقنية وليست مجرد مطلب إعلامي.
الإعلان عن موقع العطل وطبيعته، والجهة المسؤولة عن إصلاحه، والمسارات المتأثرة، والإجراءات المتخذة، والوقت التقريبي لاستعادة الخدمة، يمكن أن يقلل من حالة عدم اليقين ويمنح الجمهور صورة أكثر واقعية عن المشكلة. ولا يعني ذلك أن شركات الاتصالات مطالبة بكشف تفاصيل أمنية أو معلومات تشغيلية حساسة. لكن هناك فرقاً بين حماية المعلومات الحساسة، وعدم تقديم الحد الأدنى من البيانات التي تسمح بفهم أزمة تؤثر في ملايين المستخدمين.
الشركات أمام اختبار مختلف
وجود تأثيرات على الشبكة الثابتة وشبكات المحمول في الوقت نفسه يضع شركات الاتصالات أمام اختبار يتجاوز مسألة جودة الخدمة اليومية. فالقطاع يحتاج إلى مراجعة مفهوم استمرارية الأعمال، وتحديد مدى وجود بنية احتياطية حقيقية، وقدرة الشبكات على إعادة توجيه حركة البيانات عند حدوث أعطال كبيرة. كما أن المنافسة بين الشركات لا تكون ذات معنى كامل عندما تعتمد أطراف متعددة على أجزاء مشتركة من البنية التحتية الأساسية. فالمستخدم قد يعتقد أن الانتقال من شركة إلى أخرى سيحل المشكلة، بينما يمكن أن يكون الخلل في طبقة مشتركة تقع خارج نطاق سيطرة مزود الخدمة المباشر. وهذا يطرح سؤالاً تنظيمياً مهماً حول دور الدولة في ضمان استقلالية المسارات، وتعدد نقاط الربط، والاستثمار في البنية التحتية الاحتياطية.
الإنترنت لم يعد خدمة ثانوية
تُظهر الأزمة السورية حقيقة باتت واضحة عالمياً: الإنترنت تحول إلى بنية تحتية اقتصادية أساسية، مثل الكهرباء والنقل والاتصالات التقليدية. وفي بلد يسعى إلى إعادة بناء اقتصاده، يصبح الاتصال الرقمي جزءاً من القدرة التنافسية وليس مجرد خدمة استهلاكية. فلا يمكن الحديث عن جذب استثمارات جديدة، أو توسيع الخدمات الرقمية، أو تطوير التجارة الإلكترونية، أو تشجيع الشركات الناشئة، بينما تظل الشبكة عرضة لانقطاعات واسعة لا يعرف المستخدم متى تنتهي أو لماذا حدثت بدقة. لهذا، فإن معالجة أزمة الاتصالات لا ينبغي أن تنتهي عند إصلاح الكبل المتضرر. الإصلاح الحقيقي يبدأ بعد عودة الخدمة: تحديد سبب الخلل، تقييم نقاط الضعف، إنشاء مسارات بديلة، تحديث البنية التحتية، وتحسين آليات الاستجابة والإعلان.
في النهاية، قد يكون العطل في الكبل الضوئي وصفاً صحيحاً للحادثة، لكنه لا يمثل بالضرورة تفسيراً كاملاً للأزمة. فالاختبار الحقيقي لأي شبكة اتصالات ليس ألا تتعطل أبداً، فهذا غير واقعي. الاختبار هو ماذا يحدث عندما تتعطل؟ إذا أدى عطل واحد إلى دفع منطقة كاملة نحو شبه انقطاع رقمي، فالمشكلة التي تستحق النقاش ليست الكبل وحده، بل قدرة المنظومة بأكملها على الصمود. وفي سورية التي تحاول إعادة بناء اقتصادها ومؤسساتها، قد تبدو الاتصالات ملفاً تقنياً هامشياً، لكنها في الحقيقة واحدة من البنى التحتية التي ستحدد مدى قدرة البلاد على الاندماج في الاقتصاد الرقمي. ومن دون شبكة مستقرة ومرنة وشفافة، ستبقى وعود التحول الرقمي والاستثمار الحديث معلقة على كبل واحد.