العقد الاجتماعي في مجتمعات ما بعد الحرب ودور الهوية الوطنية الجامعة في إعادة البناء
علي شوكت:
تُخلف الحروب الطويلة والمعقدة، مثل تلك التي عاشتها عدة دول في المنطقة، دماراً يتجاوز الحجر ليصل إلى الإنسان والنسيج المجتمعي. في خضم هذا الدمار، يصبح تجديد العقد الاجتماعي ضرورة وجودية لإعادة تأسيس الدولة والمجتمع. ولكن أي عقد اجتماعي يمكن أن يستقر على أنقاض مجتمع ممزق بالشك والصراع؟
الغراء الاجتماعي بعد الانفجار
هنا تبرز الهوية الوطنية الجامعة كحجر الزاوية وعامل التماسك المركزي، فهي الإطار الذي يمنح العقد الاجتماعي شرعيته وقوته، ومن دونها يبقى مجرد حبر على ورق.
العقد الاجتماعي في مرحلة ما بعد الحرب.. من نظرية إلى ضرورة
العقد الاجتماعي، بوصفه فكرة تنطلق من تنازل الأفراد الطوعي عن جزء من حرياتهم مقابل حماية الدولة لحقوقهم، يتحول بعد الحرب من مفهوم فلسفي إلى حاجة عملية ملحة. الحرب تعيد المجتمع إلى حالة قريبة من (حرب الكل ضد الكل) التي وصفها هوبز، حيث تتفكك المؤسسات وتنهار الثقة وتسود الفوضى. آثار هذا الدمار متعددة الأبعاد:
* البعد النفسي والاجتماعي:
انتشار الصدمات النفسية، وتفكك الأسر، وانهيار الثقة بين مكونات المجتمع.
البعد الاقتصادي:
دمار البنى التحتية، وانتشار البطالة والفقر المدقع، وفقدان الأمن المعيشي الأساسي.
* البعد السياسي:
تآكل شرعية الدولة، وتفكك الهوية الجامعة لصالح ولاءات طائفية أو عرقية ضيقة، كما تجلت في الحالة السورية حيث برز العداء بين الدولة والمجتمع كإرث رئيسي.
في هذا الفراغ، يجب أن يركز أي عقد جديد على المواطنة المتساوية، والمصالحة الوطنية، والعدالة الاقتصادية، ومعالجة الذاكرة الجمعية. لكن تحقيق هذه الأهداف يظل حلماً بعيداً دون إطار هوياتي جامع يوفر الأرضية المشتركة للتفاعل والتفاوض.
الهوية الوطنية الجامعة –
المفهوم والتأثير
الهوية الوطنية الجامعة ليست مجرد انتماء قانوني لجنسية، بل هي رابطة ثقافية وشعورية عليا تُبنى عبر التاريخ المشترك واللغة والمؤسسات والقيم، وتجمع أفراد المجتمع في كيان واحد دون إلغاء تنوعهم. تختلف عن الهويات التقليدية التي قد تعكس هيمنة مجموعة معينة، فهي تقوم على مبدأ المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات أمام دولة تضمن العيش المشترك.
تأثير الهوية الجامعة على استقرار العقد الاجتماعي:
- تمتين الشرعية: تحوّل شرعية الدولة من شرعية القوة أو الغلبة إلى شرعية العقد والقانون، حيث يصبح الولاء للمؤسسات الوطنية وليس للزعامات الفرعية.
- تحويل التنوع إلى قوة: تسمح بالاعتراف بالاختلافات ضمن إطار وطني واحد، فتصبح مصدر إثراء بدلاً من سبب انقسام، وتزيل مخاوف الأقليات والأكثريات على حد سواء.
- خلق سردية مشتركة للمستقبل: تساعد على صياغة رواية وطنية صادقة للماضي تتطلع لمستقبل مشترك، وهو أمر حيوي للمصالحة وتجاوز خطاب الكراهية.
- تمهيد طريق الإصلاح: تجعل قضايا مثل إصلاح النظام السياسي أو توزيع الثروة قضايا وطنية تهمّ الجميع، وليست مجرد محاصصة بين جماعات متنافسة.
لماذا يصعب بناء الهوية الجامعة؟
بناء الهوية الجامعة بعد حرب هو مهمة شاقة، واجهت عقبات كبرى في التجارب الواقعية:
– إرث التفتيت المتعمد: عملت أنظمة استبدادية وقوى خارجية على تأجيج الهويات الفرعية (طائفية، عرقية) لإضعاف التماسك الوطني، تاركة إرثاً ثقيلاً من انعدام الثقة.
– المشاريع المتضاربة: غياب الإجابة عن سؤال (ما هو المشروع المستقبلي الجامع؟)، مع وجود رؤى متصارعة بين مشاريع دينية وقومية وإثنية.
– الواقع المجزأ: كما في سورية، أدت الحرب إلى ظهور مناطق سيطرة متعددة، لكل منها عقليتها الاجتماعية وهويتها الخاصة، مما يعمق الشرخ.
– الخوف من الذوبان: في المجتمعات المستضيفة للاجئين، قد تُقابل الدعوة للهوية الجامعة بمقاومة خشية أن تكون ذريعة للتذويب القسري للهويات الأصلية أو لتوطين دائم للاجئين.
آليات البناء من النظرية
إلى التطبيق
بناء الهوية الجامعة يتطلب جهداً مؤسسياً وثقافياً طويل المدى، ويمكن أن تستلهم آلياتها من دروس عملية التحول الاقتصادي وتحتاج الدولة إلى دستور يكرس المواطنة المتساملة ويحظر التمييز، ويكون (عقداً اجتماعياً) مكتوباً.
ومؤسسات عادلة تخدم الجميع: قضاء. تعليم. صحة
وفرص عمل تخدم جميع المواطنين بعدالة متساوية.
– نظام تعليمي موحد القيم: للمناهج الدراسية دور حاسم، كاستثمار طويل الأجل في وعي الأجيال، لغرس قيم التسامح والانتماء الوطني والاحتفاء بالتنوع.
– خطاب سياسي وإعلامي مسؤول: يجب تجاوز الخطاب الطائفي، كما تتجنب الشركة الناجحة الاستقطاب الداخلي، واعتماد خطاب وطني جامع.
– العدالة الانتقالية: معالجة إرث الانتهاكات بآليات عادلة تركز على محاسبة الأفراد المسؤولين، وليس تحميل جماعات بأكملها، لتجنب دوامات الانتقام.
إن العلاقة بين الهوية الوطنية الجامعة والعقد الاجتماعي في مجتمعات ما بعد الحرب هي علاقة تكافلية وحتمية. فالهوية الوطنية الجامعة هي التي تضمن للعقد الاجتماعي معناه وشرعيته وقدرته على الصمود، والعقد الاجتماعي العادل هو الذي يغذي وينمي هذه الهوية ويجعلها خياراً مقنعاً للمواطن. من دون هوية جامعة، يصبح العقد هشاً ومعرضاً للتمزق مع أول أزمة. ومن دون عقد عادل، تبقى الهوية الجامعة شعاراً أجوف لا يقنع أحداً.
إعادة البناء بعد الحرب، سواء على الصعيد الاقتصادي أو على الصعيد الاجتماعي عبر المصالحة، تتطلب رؤية متكاملة. النجاح لا يكمن في الإصلاح الاقتصادي المجرد أو المصالحة السياسية السطحية، بل في ربطهما معاً ضمن مشروع وطني جامع، تكون فيه الدولة مؤسسة عادلة تخدم شعباً يعتز بتنوعه وبوحدة انتمائه لمستقبل مشترك. إنها الرحلة الأصعب، ولكنها الوحيدة التي تؤدي من خراب الحرب إلى أمان السلام المستدام.