هل تهاجم إيران.. أم لا؟

أمريكا وضعت نفسها في مأزق استراتيجي كارثي

وحيد سيريس:

أهمّ السمات التي تميّز مرحلة أفول الإمبرطوريات هي الإنكار والتخبط.. إنكار المتغيرات الاستراتيجية المستجدة والتغير الحاصل في ميزان القوى الدولي، وتراجع قدرة الإمبراطورية المتراجعة في تحقيق أهدافها، وعجزها عن القيام بمراجعات وتغيير نوعي في بنيتها الاقتصادية، وبالتالي عدم القيام بالتغيير السياسي الحيوي والضروري.. وفقاً لذلك.

النظام الإمبريالي الأمريكي يشعر تماماً بعمق أزمته.. لكنه اختار عدم التنازل عن العرش.. وذهب لخيارات فيها الكثير من المغامرة وبحسابات غير مضمونة النتائج.

يمكن أن تؤدي إلى سرعة تراجعه وانهيار إمبراطوريته بتسارع أكبر مما لو اتبع سياسة واقعية دون قفزات ودون تهوّر.

ما فعلته الولايات المتحدة باختطافها للرئيس الفنزويلي هو (بروفا) ساذجة.. وهو إنجاز أمني استعماري.. وليس إنجازاً عسكرياً.. فيه خوض حرب بهدف الغزو والاحتلال.. بل يمكن وصفه.. باستعراض أمني إعلامي.. لا يمتلك أي قيمة أو أثر استراتيجي حقيقي.

لكن التهور الأمريكي حاول الاستناد إلى هذا (الإنجاز) ليبني عليه هدفاً لم يستطع تحقيقه خلال (٤٧) عاماً من عمر الجمهورية الإسلامية الإيرانية.. رغم كل العقوبات الدولية وحروب الوكالة والحروب الاستخباراتية الداخلية لإسقاط نظامها.

وخرجت إيران بعد كل الجولات العسكرية والأمنية والعقوبات الاقتصادية الهائلة ضدها وبحقها أقوى وأصبحت قوة إقليمية عسكرية وعلمية وازنة.. لا يمكن تجاهلها ولا يمكن عبور المشاريع الصهيو أمريكية فوقها.. وشكلت العائق الأساسي الأكبر والأقوى أمام تحقيق هذه المشاريع.

في أي بيئة دولية وإقليمية يجري التحشيد العسكري الآن ضد إيران؟؟

قبل الحديث عن البيئة الدولية والإقليمية، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تشهد انقساماً داخلياً غير مسبوق كنتيجة مباشرة لسياسات ترامب الداخلية خلال عام فقط من دخوله البيت الأبيض سواءٌ على مستوى الاقتصاد والتضخم والغلاء وهبوط القيمة الشرائية للدولار.. أو على مستوى الحقوق الفردية.. حقوق المواطنة وحقوق المهاجرين.. أو الخطاب العنصري لترامب وفريقه المعادي لشرائح واسعة من المواطنين الأمريكيين.. مع التغول على القوانين التي تنظم العلاقات في المجتمع أو العلاقة بين المركز الفيدرالي وصلاحيات الولايات، التي ضمنت حالة من الاستقرار خلال أكثر من قرنين من عمر الولايات المتحدة الأمريكية.

عدا أن استطلاعات الرأي أظهرت تراجعاً حاداً في شعبية ترامب.. وخصوصاً في مسألة التهديد باستخدام الجيش الأمريكي في أعمال عسكرية ضد عدة دول والتحشيد العسكري الأمريكي في عدة مواقع في العالم.

أي أن الوضع الداخلي الأمريكي هو أحد أهم مواطن الضعف في أي مغامرة عسكرية يمكن أن تقدم عليها إدارة ترامب في الوقت الحالي.

 

البيئة الدولية

تشهد علاقة الولايات المتحدة مع حلفائها توتراً شديداً.. والدول الوازنة منها.. بدأت تعلن علناً رفضها لسياسات ترامب الاقتصادية المدججة بالرسوم الجمركية المرتفعة والعقوبات والتهديد والابتزاز.. ومحاولته ضم مقاطعة غرينلاند الدانمركية بالقوة الغاشمة.. بل حتى دولة كندا وهي الشريك الجغرافي والاقتصادي الأهم للولايات المتحدة.. إضافةً للخلافات حول التعاطي مع حرب الناتو ضد روسيا في أوكرانيا.. وما برز من مواقف متعارضة في مؤتمر دافوس الأخير.. وبالتالي لن يكون حلفاء أمريكا الكبار شركاء لها في أي حرب او عملية عسكرية بغض النظر عن الجهة المستهدفة.. أي أن الولايات المتحدة لن تجد مايسمى في مرات سابقة بـ(تحالف الراغبين) هذه المرة.. بل ستشن الحرب وحدها.

فدول أوربا بشكل خاص التي تعاني من تعثر اقتصاداتها كنتائج لسياساتها النيوليبرالية.. وما تسببت به سياسات الاتحاد الأوربي في الحرب مع روسيا من خسارتهم للطاقة الروسية الرخيصة.. فإنهم يرتعدون من فكرة نشوب حرب ضد إيران قد تصبح واسعة.. تؤدي إلى توقف واردات النفط من دول الخليج إلى اوربا.. مما سينتج شحّاً هائلاً في سوق النفط وارتفاعاً في سعره يتسبب بزيادة الكوارث على اقتصاداتها.

البيئة الإقليمية

لا يمكن الحديث عن الواقع الجيوسياسي لمنطقتنا الآن دون العودة إلى زلزال (طوفان غزة) في أكتوبر ٢٠٢٣.

فقد كشف الطوفان هشاشة البنية العسكرية والأمنية الداخلية للكيان.. وإمكانية اختراقها بمستوى مذهل من قبل شعب محاصر في مساحة ضيقة ومعرض لكل أنواع البطش والحرمان.

مما استدعى قيام الكيان ومعلمه الأمريكي بارتكاب أبشع جرائم الحرب تدميراً وقتلاً.. منقولة لكل البشرية بالصوت والصورة…

شكلت بمجموعها استفزازاً استثنائياً للضمير الأخلاقي عند كل شعوب العالم…

لأن الطوفان حقيقةً شكّل تهديداً وجودياً لمستقبل بقاء الكيان.. جعل قياداته تشهر ليس فقط عن مستوى نازيتها وتوحشها.. بل أيضاً إعلان أهدافها في التوسع لتشمل أراضي واسعة من عدة دول عربية.. هكذا علناً بكل بساطة!

وقد أكدتها توغلاتها واعتداءاتها المستمرة على الأراضي السورية واللبنانية، واستمرار عمليات القتل في غزة والضغط لتهجير الشعب الفلسطيني في الضفة.. وانكشاف دور الموساد في اليمن والسودان والصومال ودعمه للحروب الأهلية فيها سعياً لتقسيمها.

كل ذلك جعل دول المنطقة وقادتها يستشعرون جدية الخطر من سياسات الكيان وتماهي سياسات أمريكا معها. وبدأت الدول الوازنة في المنطقة بمراجعات لسياساتها المتواطئة مع جرائم الكيان طوال عقود.. مستشعرة حجم الخطر من اندلاع حرب واسعة في المنطقة تنفذها الولايات المتحدة.. لصالح الكيان المتوحش والطامع بأراضي وثروات المنطقة كلها، ودون أن يستثني أحداً

فالدول الأهم في المنطقة (تركيا والسعودية ومصر….) أعلنت قياداتها بشكل صريح عن معارضتها للحرب ضد إيران.. وعن رفضها استخدام القواعد العسكرية الأمريكية في أراضيها كمنصات في هذه الحرب (إذا وقعت). هذا تحول استراتيجي كبير في منطقتنا له ما بعده بكل تأكيد.

لن تكون حرب أمريكا على إيران نزهة.. هذا ما صرح به بعض المسؤولين في إدارة ترامب.. التخوف من مستوى الرد الإيراني على أي عدوان امريكي عليها.. مع ما تملكه إيران من إمكانات.. قد ظهر جزء منها في ما فعلته صواريخها التي نجحت في الوصول إلى أهدافها داخل الكيان ومستوى دقتها وحجم تدميرها.. خلال حرب (١٢ يوماً) في حزيران الماضي.

حسابات النتائج.. ضبابية إمكانية تحقيق الأهداف.. والكلف العسكرية والسياسية الاستراتيجية.. تجعل التهور الأمريكي مرعباً إذا أقدمت عليه بضرب إيران.

هو مأزق الامبراطورية المترنّحة.

وقد حشرت نفسها جداً.

ماذا لو اختارت إدارة ترامب عدم التهور.. وفضلت التفاوض مع القيادة الإيرانية.. بعد كل ذلك التحشيد العسكري البحري الأمريكي.. وكل التصريحات الفوق نارية من الثرثار ترامب.. أكثر من غيره؟!

هو مأزق حقيقي في الحالتين.. هاجم الأمريكي أو لم يهاجم..

السهم خرج من القوس.. ومعالم الضعف والتراجع والتخبط.. أصبحت أكثر جلاءً.

العدد 1184 - 28/01/2026