المواطن وحده من يدفع فاتورة الاستثمار
إيمان أحمد ونوس:
جميع الحكومات في العالم تعتمد على روافد متعددة لخزينتها العامة كي تقوم بالمهام المنوطة بها على المستويين الداخلي والخارجي، وتُعتبر الضرائب أحد أهم هذه الروافد، وهي تُجبى عادة من مواضع مختلفة، أهمها الضرائب المفروضة على التجّار والصناعيين والحرفيين وأصحاب رؤوس الأموال، وكذلك على الرواتب والأجور ربما بنسبة أقل.
غير أن الحكومات المتعاقبة في عهد النظام البائد كانت قد قلبت الموازين في اعتماد روافد خزينتها، إذ جعلت النصيب الأكبر منها على الأجور والرواتب باعتبار هذه الرواتب وأصحابها من ذوي الدخل المحدود هم بيدها وتحت إمرتها أساساً، لذا تجدهم أسهل وأيسر وأقصر الطرق لرفد الخزينة. بينما أولئك التجّار والصناعيون ومن في حكمهم من أصحاب رؤوس الأموال والمستثمرين، لاسيما المتنفذين منهم تجدهم ودائماً بعيدون عن متناول الحكومة بحكم اعتمادهم كشوفاً مزوّرة لا تعطي الأرباح الحقيقية، وبالتالي عدم المصداقية في الكشف عن نشاطهم وإنتاجهم وعملهم، وكذلك التستّر على عدد العاملين لديهم من أجل الهروب من الضرائب أولاً، ومن التأمينات الاجتماعية ثانياً، والأهم من كل هذا وذاك كان بوجود مراقبين حكوميين فاسدين يتغاضون عن أولئك بحكم ما يكسبونه على المستوى الشخصي، ضاربين عرض الحائط بأحقية الدولة والمجتمع في أموال هؤلاء الأغنياء، وكذلك القوانين والسياسات الحكومية المحابية والتي كانت تهرب بهم بعيداً عمّا هو مطلوب منهم أو مفروض عليهم من خلال القوانين والتشريعات التي تصب في خانة مصالحهم.
لكن، ومع تباشير ما سُمّي بالنصر نهاية العام 2024، عاش السوريون حالة من التفاؤل والأمل بأن يصلوا إلى جميع حقوقهم المهدورة. إلاّ أن ما عملت عليه الحكومة الانتقالية كان بعيداً كل البعد عن تلك الحقوق والآمال التي باتت آمالاً مهدورة، وذلك بسبب العديد من الإجراءات الحكومية غير المدروسة والتي لا تصب في مصلحة الدولة أو المجتمع. إذ ألغت الضرائب والرسوم على كل المواضع في سابقة خطيرة حرمت خزينة الدولة من أهم مواردها، ما رفع نسب الاستيراد على حساب التصدير الذي قُيّد بالعديد من الإجراءات الحكومية من جهة، وإغراق الأسواق بالبضائع التركية المتنوعة والمدعومة من حكومتها، ما عمل على اغتيال منافسة البضائع السورية أمام تلك التركية رخيصة الثمن، ومع هذا تجد أن القدرة الشرائية لدى الناس ضئيلة.
أمر آخر استغلته هذه الحكومة لمصالحها الخاصة، وهو المصالحات التي تمّت مع كبار المجرمين من حيتان السوق أيام النظام البائد، مقابل أموال طائلة لم تدخل خزينة الدولة بل ذهبت لاتجاهات مشابهة لما كان يجري أيام النظام السابق، وهذا ما حرم المواطنين من حقوقهم المسروقة على أيدي أولئك الحيتان، بل وجعلهم دافعي الضرائب الأساسيين من خلال ارتفاع أسعار عموم المواد والسلع الأساسية ابتداءً من ربطة الخبز التي ارتفع ثمنها لأكثر من عشرة أضعاف مروراً بالغاز وباقي المحروقات التي رفعت بطريقها الأسعار مضاعفة في الأسواق. ورغم الزيادة على الرواتب والأجور فإن الغلاء بقي مستشرياً ومغتالاً القدرة الشرائية لغالبية السوريين، لاسيما أولئك من غير العاملين في الدولة والذين لم تشملهم تلك الزيادة!!
لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى موضوع الاستثمار في الطاقة الكهربائية، والذي جاء وبالاً على السوريين الذين استفاقوا على رفع سعر استجرار الكهرباء من 7 ليرات للكيلو إلى 600 ليرة للشريحة الأولى و 1400 ليرة للشريحة الثانية، أي بحدود 2000 ليرة للكيلو الواحد في سابقة خطيرة هي الأولى من نوعها في مسألة رفع الأسعار التي تكبدها المواطن أيضاً بسبب رفع باقي أسعار السلع والخدمات باعتبار الكهرباء عصب الحياة لمختلف الشرائح المنتجة والمستهلكة بآنٍ معاً.
لا شكّ أننا في زمن يتطلب تحرير الأسواق والأسعار، لكن ليس على هذه الشاكلة المشوّهة التي اعتمدتها الحكومة الانتقالية في تخليها عن المواطنين مقابل محاباتها وخضوعها لمصالحها الذاتية ولشروط المستثمرين لاسيما في قطاع الكهرباء، فقد استولوا على البنية التحتية التي كانت ملكاً للشعب، وفي الوقت ذاته فرضوا على المواطن دفع الفاتورة كاملة بحيث لا تؤثّر على أرباحهم التي فرضوها على هذه الحكومة التي لم تأبه يوماً وعلى مدار سنة من حكمها للشعب الذي قام بالثورة وتحمّل ما تحمّل من ويلات ودمار وموت مجاني كي يصل يوماً إلى كرامته المهدورة أيام النظام السابق، فكان أن أجهزت حكومة (النصر) على ما تبقى من كرامة لكل من فرح وهلّل وتفاءل بقدومها. فهل هناك من مكافأة أثمن من هذه المكافأة التي قد تعيدنا إلى المربع الأول الذي انطلقت فيه حناجر المحتجين على سياسات النظام السابق!؟