من المسؤول عن هجرة العلماء؟

يونس كامل صالح:

منذ زمن بعيد تطالعنا الصحافة العربية، والسورية منها أيضاً، بمقالات احتجاجية مفادها أن العلماء في معظم البلدان العربية الذين تلقوا تعليمهم في أوربا وأمريكا وغيرهما من البلدان قد استولت عليهم تلك الدول وأغرتهم بكل الوسائل لكي يبقوا فيها لتنتفع هي بعلمهم، وتحرم دولهم، التي هي في أمسّ الحاجة إليهم، وإلى خبراتهم، حتى تظل هذه البلدان متخلفة ومتعلقة بالدول الكبرى وخبراتها وخبرائها، الذين يتقاضون أجوراً باهظة دون أن يحققوا الهدف الذي من أجله جاؤوا إلى هذه البلدان.

والحقيقة التي تحيط بهذا الأمر، ليست هي ما تنشره الصحافة، ولا تصريحات الزعماء العرب في هذا الموضوع، ولكن الحقيقة هي أبعد من ذلك بكثير. وأود قبل أن أخوض في هذا الموضوع أن أعرّف القارئ بالفئات المختلفة لأبناء البلدان العربية الذين يعملون خارجها.

أولاً- الفئة الأولى وهي التي تلقت تعليمها في الخارج ولظروف مختلفة بقيت هناك.

ثانياً- الفئة الثانية وهي التي تلقت تعليمها في الخارج ثم عادت إلى الوطن ثم غادرته ثانية.

ثالثاً- الفئة الثالثة وهي التي تلقت تعليمها في داخل البلدان العربية ثم غادرتها لكي تعمل في الخارج.

والسؤال المطروح: ما هي الظروف التي دعت العلماء في البلدان العربية إلى الهجرة إلى الخارج والبقاء فيه:

أولاً- الأجور المنخفضة التي تدفع، وخاصة لحديثي التخرج، والتي لا تكفي بأي صورة من الصور لأن يعيش الإنسان عيشه لائقة تكافئ الجهد الذي بذله في تعليمه حتى حصل على مؤهله.

ثانياً- عدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، إن ذلك ناتج عن المركزية في التعيين، فكثير من الخريجين وضعوا في أماكن غير أماكن تخصصهم سواء كانوا من خريجي الجامعات الأجنبية أو العربية، وطلب منهم إدارة أعمال تافهة لا تمت لدراستهم أو تخصصهم بأدنى صلة.

ثالثاً- بالنسبة لخريجي الجامعات الأجنبية، وخصوصاً الجامعات المعترف بها عالمياً، فهم يقعون تحت ظلم وغبن، حيث يجري تقييم شهادتهم بأسلوب روتيني ومعقد وعقيم يستغرق عاماً وأحياناً عامين، ومن ثم لا يعترف بقيمتها الحقيقية فيما يتراءى للسادة الموظفين.

رابعاً- إن الكثير من الدارسين في الخارج عندهم الرغبة في خدمة بلدانهم، وعاد الكثير منهم بقصد العمل والخدمة، وللأسف الشديد رجع أغلبهم خائبين، والسبب أنه لم يرغب أحد في تشغيلهم، وفحوى كل ما سمعوه: انتظر دورك!

خامساً- استعاضت البلدان العربية الغنية عن العاملين عندها بعقود شخصية بآخرين بعقود إعارة، وقد أجبر ذلك الكثير من العاملين خاصة في الجامعات العربية الحديثة على الخروج منها للبحث في الخارج عن عمل لكسب العيش بعد أن استُغني عن خدماتهم، في الوقت الذي ينادي فيه زعماء هذه البلدان بعودة العاملين في الخارج من العلماء العرب.

سادساً- غياب حرية البحث، وإخضاعه (أي البحث) لمصلحة الأنظمة الحاكمة، الأمر الذي يتعارض مع الإبداع العلمي، ويقيد العاملين في هذا المجال، ويحول دون تحقيق نتائج حقيقية، بينما يفضل العالم العربي العيش في الخارج، حيث تتوفر لديه الإمكانية للبحث والتجربة دون أي تدخل من السلطات المسؤولة.

سابعاً- إن تهميش الكوادر والتمييز بينها على أساس طائفي أحياناً أخرى، وتقديم كادرات غير مؤهلة إلى مواقع مسؤولة، أن كل ذلك يشكل عاملاً كبيراً من عوامل هجرة العقول إلى الخارج. وهذه الظاهرة تشكل في كثير من الأحيان السمة الرئيسية لسياسة الأنظمة الحاكمة في البلدان العربية.

والسؤال المطروح هنا أيضاً: هل الجرم يقع على هؤلاء العلماء أو على الدول التي استضافتهم أم على البلدان العربية التي فتحت باب الهجرة على مصرعيه لخريجي الجامعات العربية؟ أليس هذا يعتبر طرداً للكفاءات التي تكلف تعليمها الملايين؟ ثم هل بلدانهم في حاجة إليهم؟

إن علم الاقتصاد الحديث ينص على أن (العنصر البشري، خاصة إذا كان على علم وكفاءة عقلية عالية، يعتبر من أهم مقومات الإنتاج والتقدم)، وهذه نظرية قديمة قدم التاريخ، فالحضارات لم ينشئها مال، ولكنها قامت على أكتاف الرجال.

من العبث والجهل أن يقال إن في البلدان العربية نهضة صناعية، وهي لا تزال بلداناً مستوردة لسد أكثر من 80% من حاجة السكان الاستهلاكية، في حين أنها لا تصدر إلا المواد الخام. وكذلك من العبث أن يقال عن معظم البلدان العربية أن فيها صناعة وثروة وحضارة وخيراً، وفي الوقت نفسه يعتبر مستوى الأجور أدنى مستوى أجور في العالم تقريباً. إن العامل أو الفلاح أو الموظف في البلدان العربية (ما عدا الدول النفطية) لا يستطيع أن يكفي ضرورياته بالرغم من أنه يكدح ويعمل، في الوقت الذي لا يدري العامل في البلاد الأخرى المتطورة ماذا يفعل بالفائض من مرتبه. ومن العبث أن يقال أيضاً إننا لسنا مثل سكان أوربا أو أمريكا من ناحية التفوق الفني أو العقلي، فمثل هذه الحجج الواهية سمعناها من الاستعمار الإنكليزي والفرنسي حينما سيطروا على بلداننا عشرات السنين. وقد كان ردنا آنذاك أن الحرية شمس يجب أن تشرق على كل إنسان ويجب أن ينالها ويجب أن يحياها، متمتعاً بحقوق كاملة، وليس ذليلاً محروماً.. فلقد ولىّ زمن العبيد.

العدد 1184 - 28/01/2026