(الجنون الأمريكي المتواصل) إلى أين؟!

تذكير بالفيلم الشهير (المختل الأمريكي American Psycho)

متابعة الدكتور سلمان صبيحه:

بينما تشهد شوارع الولايات المتحدة الأمريكية خروج مئات الآلاف في مظاهرات مناهضة لإدارة الهجرة والجمارك في مختلف المدن الأمريكية، رُفعت فيها شعارات مناهضة للديكتاتورية الجديدة، وذلك في إطار الإضراب العام تضامناً مع مدينة مينيابوليس وضحايا عنف النظام

الإمبريالي المتوحش بقيادة الديكتاتور رونالد ترامب الذي يتحدى العالم كله مستخدماً قوة أمريكا الخارقة وأساطيلها وبوارجها الحربية، ضارباً عرض الحائط بكل القوانين والمواثيق والأعراف الدولية، مستخدماً كل الوسائل والأساليب المشبوهة لتنصيب نفسه زعيماً أوحد للعالم ومالكاً لثرواته ومقدراته، مستخدماً السطوة والقوة للتدخل بالشؤون الداخلية لبعض الدول وفرض أتاوات على بعضها الآخر، بطريقة وأسلوب رجال (الكاوبوي)، وعصابات قطاع الطرق والمافيات الكبيرة.

بالتأكيد سيبقى خطف زعيم فنزويلا الشرعي مادورو وصمة عار على جبين الولايات المتحدة الأمريكية، إلى جانب العديد من وصمات العار التاريخية المشينة السابقة.

ان استمرار أمريكا بتدخلاتها العسكرية المباشرة والسياسية الفظة في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، واتباع سياسة فرض الإملاءات والتهديد والوعيد للدول المجاورة لفنزويلا، والضغط والحصار على حكوماتها وشعوبها، لن يؤدي إلا إلى زيادة التوتر والعنف في كل دول أمريكا اللاتينية ومنطقة بحر الكاريبي.

من جهة أخرى نجد ان الحشود العسكرية الأمريكية الجديدة الضخمة وغير المسبوقة في منطقة الشرق الأوسط والخليج، والتهديد بشن ضربات خاطفة ومحدودة على إيران، ماهي إلا نذير شؤم يُنذر بجحيم من الخراب والدمار والصراعات المستمرة التي قد تؤدي بأي لحظة لإشعال فتيل حرب إقليمية كبيرة مدمرة في المنطقة، لا أحد يعلم أو يمكن أن يتوقع نتائجها وتداعياتها الخطيرة، وإمكانية اتساع نطاقها لتتحول إلى حرب عالمية نووية، تنهي الحياة على الأرض كلها.

إن كل هذه التحركات وغيرها من سياسات التجبر والعنجهية، تجعل من النهج الأمريكي حالة من (التعصب) أو (الهوس) بالتدخل في شؤون الآخرين، وتجعل السياسة الخارجية الأمريكية تتسم بـ (الجنون) الذي يؤدي إلى نتائج كارثية، مثل زيادة التوتر مع الصين وروسيا. كم أن استمرار التدخل الأمريكي في بؤر التوتر العالمية المختلفة بهذه الطريقة الاستعمارية الجديدة، لن يثمر سوى عن دماء متناثرة وتهديدات متواصلة للأمن والسلم الدوليين.

لذلك وفي هذا السياق، تقوم بعض الجهات الإعلامية وبعض المحللين السياسين بإطلاق تسمية (مختل أمريكي) على السياسة الخارجية الحالية للولايات المتحدة الأمريكية كصفة لها، خاصة أن هذه التسمية معروفة في الثقافة الشعبية للإشارة إلى الجشع، والتوحش، والحياة المعاصرة المريضة كما هي موجودة تماماً في الفيلم الشهير (المختل الأمريكي)، وهو فيلم أمريكي مأخوذ عن رواية بريت إيستون إيليس التي لها الاسم نفسه، وقد عرض لأول مرة في مهرجان صاندانس السينمائي بتاريخ  ١٤/٤/٢٠٠٠.

فيلم (المختل الأمريكي)، هو عبارة عن كوميديا سوداء وإثارة نفسية تدور أحداثه عن رجل أعمال، مصرفي استثماري ثري ووسيم في (وول ستريت) في الثمانينيات، يخفي جانباً مظلماً كقاتل متسلسل سادي ومختل عقلياً. يستكشف الفيلم النرجسية، السطحية، والانهيار العقلي في مجتمع مادي، حيث يرتكب بطل الفيلم جرائم وحشية مدفوعاً بكراهية العالم، مع ترك النهاية غامضة حول حقيقة جرائمه أو كونه يهلوس.

يقول البعض إن الفيلم قد يلخص لنا من جهة عقلية وتفكير رجل الكاوبوي الأمريكي، ومن جهة أخرى يعتبر هذا الفلم دراسة في الانحلال الاجتماعي والنفسي، ويسلط الضوء على (جرائم الغضب) والسطحية التي تحيط بالمجتمع الأمريكي.

المثير في الأمر، وكما يبدو أنه يوجد أوجه تشابه بين احداث الفيلم وبطله من جهة، وما يجري في قلب أمريكا والعالم من أحداث خطيرة بقيادة ترامب من جهة أخرى، وأعتقد أن كليهما يجسد جانباً من الرأسمالية الأمريكية المتوحشة في فترة الثمانينيات والتسعينيات، وأيضاً في هذه الفترة، فترة الإمبريالية الرقمية المتوحشة.

في الختام يبدو أنه كما كانت نهاية الفيلم بارتكاب بطله لمزيد من الجرائم الوحشية مدفوعاً بكراهية العالم، سنشهد أيضاً مزيداً من الجرائم الدولية الكبرى على يد هذه الإمبريالية الرقمية المتوحشة بقيادة بطلها الافتراضي ترامب قبل أن تتحطم وإلى الأبد مع بزوغ فجر عالم جديد متعدد الأقطاب تتشكل معالمه من دماء وعرق الشعوب المظلومة والمضطهدة والمناضلين المخلصين الأوفياء.

العدد 1184 - 28/01/2026