ما بين بين الحرب وحافتها!

د. نهلة الخطيب:

نشهد فترات جيوسياسية هي الأكثر صعوبة وحسماً في التاريخ، فالحرب الجيوسياسية بين المتنافسين مستمرة تتغير أطوارها فقط بين البرودة والسخونة، والآن مرحلة الغليان تنبئ أن العالم ينتظره ما هو أشد هولاً، بين الحرب وحافتها العالم يقف على أبواب الجحيم وأي حلول أو تسويات قد تكون آنية لتجنب انفجار الصراع بين القوى العظمى، بينما يحاول ترامب إرساء نهج جديد بالقرصنة والابتزاز والتهديد لاستعادة الهيمنة الأمريكية العالمية، يبتز العالم بالرسوم الجمركية والتهديد العسكري والسطو على مصادر الطاقة والتهديد بالخطف وقتل قادة الدول الذين يعارضونه، يعيد العالم ترتيب نفسه بعيداً عن أمريكا، فلا بد من حشد دولي لمواجهة الجنون الأمريكي، العالم يتغير ولن يعود إلى ما كان عليه من قبل يعكس توازن قوى عالمية جديدة ورأي دولي عام اتحد لمواجهة الهيمنة الأمريكية، تتجه أنظار العالم إلى الشرق مع ظهور قوى اقتصادية (الصين والهند)، فالنظام القديم يحتضر، سباق تسلح يتسارع، وصراع اقتصادي، وبدأت تحالفات جديدة تظهر واتفاقيات تجارية وصفقات دفاعية لا وجود أمريكي فيها بعد أن انهارت الثقة بأمريكا وترامب، ترامب أشعل القارة الأوربية ووضع العالم أمام أخطر صراع جيوسياسي، فعندما تعاقب أوربا لدفاعها عن غرينلاند وعن سيادة الدنمارك فهذا يعني أن ترامب تجاوز الخطوط الحمراء وعندئذٍ يجب أن تكون أوربا مستعدة للرد، فاصطدام ترامب بموقف أوربي موحد أضعف فرصته بضم الجزيرة، لم تعد أوربا تهدد بل ترد من الهند قبل أن ترسل الضربة القاضية من الصين عنوانها تجارة بلا دولار، ونهاية ترامب وانهيار امبراطوريته قد بدأت فعلاً، لعله الصعود إلى الهاوية!!

حين تضيق الخيارات الاقتصادية يلجأ القادة الشعبويون إلى افتعال صدام خارجي، لكن ترامب لم يدرك أن الأزمنة تغيرت، وأنه يقامر بسمعة بلاده التي يراها العالم أنها دولة مارقة تحقق مصالحها بالعصا بدلاً من الجزرة، الآن إيران في عين العاصفة، تحشيد أمريكي عسكري غير مسبوق في المنطقة أساطيل وسفن حربية وطيارات شبحية وقاذفات نووية للضغط الأقصى والتصعيد لأكبر مدى ممكن قبل اتخاذ القرار النهائي، والوصول لاتفاق جديد يحجم نفوذ إيران أو التهديد بضربة شاملة لا يمكن النهوض بعدها باستهداف البرنامج النووي والترسانة الباليستية وإسقاط النظام وإعادة عهد الشاه البهلوي بضربات سريعة وحاسمة دون التورط  بحرب استنزاف طويلة الأمد قد تكون مكلفة في المنطقة فضلاً عن الفوضى وانعكاس ذلك على المحيط التي لا يمكن لأي قوة داخلية أو خارجية احتواؤها، ولكن من الصعوبة تحقيق الأهداف دون ثمن باهظ تكلفته المصالح الاستراتيجية الأمريكية بالشرق الأوسط ولن تغامر، ورفض الدول المجاورة لهذه الحرب أو استخدام أجوائها لتوجيه ضربات ضد إيران، وإيران تؤكد أنها على أهبة الاستعداد (ردع بلا تنازل ودبلوماسية بلا أوهام)، فما الذي نشهده؟!

وجود توتر عسكري حقيقي ووجود مناورات عسكرية دولية متضاربة في المنطقة، ستفتح أبوب النار والدم لتغيير المسارات التاريخية والاستراتيجية قد تبدو حرباً إقليمية ولكنها هي امتداد لحرب الطاقة والمعابر الدولية، مناورات عسكرية أمريكية إسرائيلية في الشرق الأوسط وبحر العرب على مقربة من السواحل الإيرانية كرسائل ردع لاستعراض قوة ترامب لحماية الملاحة، والرد (درع القوى العظمى) يغير قواعد الحرب جذرياً ويضع أمريكا أمام معضلة غير مسبوقة، إيران تستعرض قوتها بحلفائها بدأت بدعم لوجستي صيني روسي بأحدث الأسلحة مناورات عسكرية في المحيط الهندي ومضيق هرمز وهذا سيجعل المنطقة محظورة دولياً يعطل حركة المرور في أهم الممرات التجارية العالمية كرسالة بأنها حرب وجودية وهدفهم ضرب إسرائيل والوجود الأمريكي بالعالم بمشاركة وكلائها باليمن والعراق ولبنان.

روسيا والصين أمام أمريكا، قوى كل منهم تنزع بطبيعة الحال إلى أن تكون إمبراطورية كبرى، تدرك الصين المخاطر الاستراتيجية الكامنة في استمرار الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي سواء على المستوى السياسي أم الاقتصادي، فبدأ التحدي الصيني الأمريكي عندما تجاوز ترامب حدوده بالتعدي على الحديقة الخلفية للصين ومواردها النفطية في فنزويلا والآن في إيران، لاشك أن ما يحدث الآن في مضيق هرمز جولة في جولات اللعبة الكبرى بين القوى العظمى والتي تقوم على استعراض القوة العسكرية والمستند على الاقتصاد وهما توءمان، لتخرج الصين بأحدث الأسلحة (الأسلحة فرط صوتية وأسلحة ليزرية متطورة أسلحة نووية) في تحدِ مباشر للهيمنة الأمريكية، لتخبر ترامب أنه تجاوز مع إيران خطاً أحمر يؤثر على أمنها القومي.

هذه صورة الشرق الأوسط الآن، استعداد إسرائيل لضرب إيران كخطر وجودي وبالتالي الشرق الأوسط الجديد يصبح جاهزاً ليتولى نتنياهو أمره، لكنه ليس قراراً إسرائيلياً منفرداً بل يحتاج ضوءاً أخضر ودعماً لوجستياً أمريكياً يدخل أمريكا في المستنقع الإيراني وهو ما يتردد ترمب بحسمه، وما يجري في إيران ينعكس على الخارطة السياسية للمنطقة والعالم، حصرت أمريكا في زاوية ضيقة ونجحت إيران في تدويل الأزمة وإشراك حلفائها في معركتها، وترمب بين خيارين إما ضربة فورية أو تأجيل اضطراري وكلاهما ينذر أنه في مأزق وجودي وأنه السقوط الأمريكي في الشرق الأوسط، هذا ما يفعله ترامب ليجعل أمريكا أولاً!!

العدد 1184 - 28/01/2026