التراث بين العقل المكوَّن والعقل المكوِّن

يونس كامل صالح:

الربع الأول من القرن الحادي والعشرين كان حافلاً بالنظر إلى التراث والمناهج. والكثير من المفكرين أقدموا على دراسة التراث وتحليله ونقده، وقد عكس ذلك مدى الاهتمام الواسع بهذا الموضوع، ومدى الخطر الذي ينجم عن إغراق عقلنا المعاصر بمجموعة من المشاريع الكبرى فيه. وما يبعث على الدهشة حقاً هو أن كثيرين من الذين أقدموا على بناء مشاريع تراثية كبيرة كان لا يلمّون بقطاعات كثيرة من التراث، ومن بينهم من كان يتكلم عن المنهجية والمنهج أكثر مما يتكلم عن التراث نفسه بكثير.

ولكن ما هو التراث؟

إنه في الفكر عبارة عن شيء ينمو ويتراكم ويتناقض ويتصارع في الحياة، ولو أنه ماضٍ. فكيف ندرس هذا الكائن الحي الميت في الوقت نفسه؟ فهو ميت، أي ماض، بالنسبة لنا، لكنه حي فينا، هو ماضٍ تفصلنا عنه مسافات زمنية ومعرفية أحياناً، لكنه حي، لأننا حين نقرأ الأدب الجاهلي نشعر أن بيننا وبينه حياة. الآن هل نستطيع أن نجمّد فكرنا الراهن في قوالب معيّنة؟ إلا أنه حين يقدم التراث نفسه إلينا بصورة منظومة أو تركيب، فلا بد من تفكيكه لأجل فهمه. وحين يقدم نفسه مفكّكاً، لا بد من اكتشاف بنيته لفهمه، ولا بد هنا من المعالجة البنيوية كمرحلة أولى وبعد ذلك لا بد من اللجوء إلى التحليل التاريخي والرجوع إلى التاريخ هنا يختلف عن رجوع المؤرخ، فالمؤرخ يبدأ التاريخ من البداية، ولا يهمّه إلا التسلسل وربط الأسباب بمسبباتها إن أمكنه ذلك. أما المفكر فيرجع إلى التاريخ في كلّيّته، السابقة واللاحقة. والهامّ في الأمر هنا هو إيجاد الشواهد في سيره العام التي تكشف عن القوانين والأطروحات التي يمكن استخلاصها، فإذا تم التأكد بالتحليل التاريخي، أن الأطروحات التي تم استخلاصها من التحليل البنيوي تشهد لها شواهد تاريخية اعتبرت صحيحة: لكن الحديث عن التراث يفضي بالضرورة إلى الحديث عن المشاريع النهضوية التي تنطلق من التراث. وأمام هذه المشاريع التي يتطلع بعضها لأن يكون كبيراً، يطرح السؤال التالي: لمن يوجه الخطاب فيه؟ أللجمهور، أم للنخبة، أم لنخبة النخبة؟

وهنا يمكن الملاحظة أن معظم الذين يكتبون عن التراث هم من المهتمين بالفلسفة ولهم لغتهم الخاصة التي لا يفهمها على الأغلب إلا هم. بيد أن التراث لم يوضع أصلاً ليقرأه من يهتم بالفلسفة فقط، بل هو للناس والملأ وللجمهور. وهؤلاء لا تربطهم بأقوال الفلاسفة وتنظيراتهم للتراث وغيره إلا أضعف الصلات وأوهنها. وهم في علاقاتهم بالتراث يستخدمون لتمثله أدواتٍ بسيطة جروا على استخدامها في تعاملهم مع وجوده الحياة الطبيعية العادية. وأية قراءة للتراث سواء أجاءت من رؤية بنيوية صارمة، أم من رد معرفي لا يقدر عليه إلا المحترفون جداً، لن تعني لهم وعندهم شيئاً، وسيفضلون على هذا كله، العودة إلى النصوص مباشرة وفهمها، وفقاً لقواهم الطبيعية العادية، ولملكاتهم التي لم تألف أدوات التحليل التقنية. إن ما يسمى بالفكر العامي هو عبارة عن فكر عالم، تحول عبر العصور إلى فكر عامي، عندما يتحدث المفكرون، إنما يخاطبون النخبة، يخاطبون الجيل الصاعد المتعلم، وهو ما يتم التعويل عليه بأن يتحول شيئاً فشيئاً، وينخرط في فكر آخر، أكثر تحرراً من الفكر السابق، فيتجدد بذلك فكر المجتمع. ومبدأ هذا التجديد في تكوين نخبة واسعة، لأنها هي التي تحرك المدارس التي لا تزال إلى الآن تكرس الظلاميات، وتعلم التلاميذ والطلاب اللامعقول، وينتج فيها الجهل. ولو كان المعلم عندنا يشترك مع غيره في حد أدنى من المعقولية في المعالجة، ويختلف إيديولوجياً ومذهبياً مع غيره ما شاء، لكان التعليم عندنا يحمل قدراً أعلى من المعقولية، ولارتقى الفكر الشعبي إلى مستوى معين من المعقولية. وفي هذا السياق لا بد من إثارة مسألة أخرى هي عقلنا، أو العقل العربي بصورة عامة. إن هذا العقل يبدو كأنه ثابت أزلي موهوم، وله ماهية ثابتة دائمة غير قابلة للتعديل والتطوير، وتحكم تفكيرنا وسلوكنا، وتلاحقنا في المكان والزمان. إن العقل العربي عقل قياسي، يقيس الغائب على الشاهد. وإذا صح هذا القول معناه أن أحوال هذا العقل هي مما يبعث على اليأس والقنوط، يضافان إلى حالة اليأس والقنوط في رأب الصدع الذي تثيره دعوى القطيعة المعرفية بين المشرق والمغرب.

ومن هنا علينا أن نفرق بين عقل مكوِّن وعقل مكوَّن. العقل المكوِّن العربي في الفقه وفي كذا وكذا… وهذا بقي ثابتاً، لكن هناك عقل مكوِّن، تجري المحاولة لتحريكه ليكون منتجاً للأفكار، عبر مفكرين يستوعبون كل الاستيعاب مهام العصر وضرورات التغيير.

العدد 1184 - 28/01/2026