غياب الأحزاب ومنع الحياة السياسية يعيد إنتاج الدولة السلطوية ويهدد شرعية الشعب
سليمان أمين:
بعد أكثر من عام على سقوط دمشق، لم تعد المعضلة السورية محصورة في إعادة الإعمار أو توحيد الجغرافيا أو ترميم الاقتصاد المنهك، بل باتت أزمة سياسية من نوع مختلف: غياب السياسة نفسها. فبينما دخلت البلاد رسمياً مرحلة ما بعد النظام، لم تدخل فعلياً مرحلة الانتقال السياسي. والسبب لا يكمن في نقص الوقت أو تعقيد المرحلة فحسب، بل في خيار واعٍ بإبقاء المجال السياسي مغلقاً، ومنع عودة وتشكّل أحزاب سياسية أو اجتماعية مستقلة، وإدارة الدولة بقرارات مفروضة بالقوة، لا بتوافق نابع من المجتمع.
هذا الواقع يطرح سؤالاً جوهرياً يتجاوز التفاصيل الإجرائية: ما الغاية من منع الحياة السياسية في بلد يُفترض أنه جمهورية؟ ولمصلحة من تُصادر السياسة من مجتمع خرج لتوّه من واحد من أكثر الصراعات دموية في القرن الحادي والعشرين؟
منذ سقوط العاصمة، سادت مقاربة الإدارة الانتقالية الصامتة، إذ تُتخذ القرارات الكبرى من القوانين الناظمة، إلى شكل الحكم المحلي، إلى السياسات الأمنية والاقتصادية من دون نقاش عام منظم، ومن دون قنوات سياسية تمثيلية. لم يُفتح المجال لتأسيس أحزاب، ولم تُشجَّع النقابات المستقلة، ولم تُحمَ المبادرات المدنية العابرة للهويات الضيقة. وبدلاً من ذلك، جرى ترسيخ منطق الضبط بوصفه شرطاً للاستقرار، في إعادة إنتاج واضحة لفكرة أن السياسة خطر يجب احتواؤه، لا أداة ينبغي تفعيلها.
لكن التجربة التاريخية، في سورية وخارجها، تشير إلى العكس تماماً. فالدول الخارجة من النزاعات لا تستقر بإلغاء السياسة، بل بإعادة تنظيمها. والأحزاب السياسية، مهما كانت هشّة في بداياتها، تشكّل حجر الزاوية في أي انتقال حقيقي، لأنها تُحوّل المجتمع من كتلة صامتة إلى فاعل منظم، وتحوّل الصراع من مواجهة مفتوحة إلى تنافس سلمي على البرامج والرؤى.
في الحالة السورية، يبدو منع تشكيل الأحزاب جزءاً من محاولة أعمق لإبقاء الشرعية في يد السلطة وحدها، لا في يد المجتمع. فالأحزاب، بطبيعتها، تفرض معادلة مساءلة: من يحكم؟ وبأي برنامج؟ ولمصلحة من؟ وهي أسئلة مزعجة لأي سلطة انتقالية غير راغبة في تقاسم القرار أو فتح ملفات الشرعية الشعبية. لذلك، يجري تصوير التعددية السياسية كتهديد للوحدة، لا كضمان لها، وكمدخل للفوضى، لا كأداة لتنظيمها.
غير أن هذا المنطق يحمل في طياته تناقضاً خطيراً. فسورية ليست مملكة يُمنح فيها المجال العام كهبة من الحاكم، بل جمهورية نظرياً على الأقل تقوم شرعيتها على الشعب. ومصادرة الحياة السياسية في جمهورية تعني عملياً إلغاء فكرة السيادة الشعبية، وتحويل المواطنين إلى متلقّين للقرارات بدل أن يكونوا شركاء في صنعها. وهذا لا يفرغ الانتقال السياسي من مضمونه فحسب، بل يعيد إنتاج جوهر الدولة السلطوية، ولو بوجوه جديدة.
الأكثر خطورة هو أن غياب الأحزاب لا يؤدي إلى فراغ سياسي محايد، بل إلى ملئه بقوى غير خاضعة للمساءلة الديمقراطية. فعندما يُمنع التنظيم السياسي، تزدهر التنظيمات غير السياسية: شبكات النفوذ المحلي، الزعامات المسلحة، الولاءات المناطقية والطائفية، والخطابات الشعبوية. وبدل أن يُدار الخلاف داخل مؤسسات، يُدفع إلى الهامش، حيث يصبح أكثر حدّة وأقل قابلية للاحتواء.
من منظور جيوسياسي، فإن إضعاف الحياة السياسية الداخلية يجعل سورية أكثر هشاشة أمام التأثيرات الخارجية. فالدول ذات الأحزاب القوية والمؤسسات التمثيلية تملك قدرة أكبر على التفاوض، وتحديد مصالحها الوطنية، ومقاومة الإملاءات. أما الدول التي تُدار من فوق، بلا مشاركة شعبية منظمة، فتصبح قراراتها أكثر عرضة للتأثر بالضغوط الإقليمية والدولية، لأنها تفتقر إلى غطاء داخلي شرعي يمكن الارتكاز عليه.
كما أن غياب الأحزاب يعقّد أي مسار مستقبلي لإجراء انتخابات ذات معنى. فالانتخابات، من دون حياة سياسية منظمة، تتحول إلى إجراءات شكلية، لا تنافس فيها بين برامج، بل بين أفراد أو قوائم مدعومة من السلطة. وفي بلد خرج من حرب، حيث الثقة مهشّمة، لا يمكن بناء ديمقراطية أو حتى استقرار سياسي عبر صناديق اقتراع معزولة عن مجتمع سياسي حي.
إن تفعيل الحياة السياسية في سورية لا يعني فتح الباب للفوضى، كما يُروّج غالباً، بل العكس: يعني إنشاء قنوات منظمة لتصريف الغضب، وإدارة الاختلاف، وبناء توافقات تدريجية. الأحزاب لا تُلغي الانقسام، لكنها تمنحه إطاراً قابلاً للإدارة. وهي لا تهدد الدولة، بل تحميها من الانفجار الصامت.
الاستقرار القائم على القسر، وعلى فرض القوانين بالقوة، قد ينجح مرحلياً في إسكات الشارع، لكنه يفشل حتماً في بناء دولة. فالدولة الحديثة لا تقوم على الامتثال فقط، بل على المشاركة. ولا تُقاس قوتها بقدرتها على المنع، بل بقدرتها على استيعاب المجتمع وتوجيهه عبر السياسة لا الأمن.
سورية اليوم أمام اختبار مصيري. فإما أن تُستكمل مرحلة ما بعد السقوط بفتح المجال العام، والاعتراف بحق السوريين في التنظيم السياسي، والتعبير عن تطلعاتهم ضمن أطر شرعية وسلمية، وإما أن تُدار المرحلة الانتقالية بعقلية ما بعد السياسة، حيث يُطلب من الشعب الصمت باسم الاستقرار، ويُختزل المستقبل في قرارات فوقية. في الحالة الأولى، ثمة فرصة ولو صعبة لبناء دولة قابلة للحياة. وفي الثانية، يُعاد إنتاج الأزمة بأدوات جديدة، وباسم مرحلة جديدة، لكن بالمنطق ذاته.
في بلد أنهكته الحرب وعصف به الاضطراب، تبقى السياسة، بكل أحزابها وتعددها وقنواتها الشرعية، هي الشرط الأخير لبناء دولة تحترم شعبها، وتمنحه القدرة على تقرير مصيره، بدلاً من أن يتحول إلى رعايا تحت قرارات مفروضة بالقوة.