ما العمــــــل؟

الدكتور سلمان صبيحه:

الأحزاب السياسية والحركات اليسارية ومنظمات المجتمع المدني والأهلي وكل التيارات التقدمية والتجمعات الوطنية مطالبةٌ اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، بالعمل من أجل توحيد نشاطها وجهودها والنضال معا ضد الإمبريالية الرقمية المتوحشة.

يتناقل العديد من العاملين في الشأن السياسي مصطلح (ما العمل؟)، في هذه الظروف والمستجدات الراهنة والتطورات المتلاحقة لهذا العالم الذي يتبدل ويتغير بشكل مستمر، والبعض الآخر عاد مرة أخرى لقراءة كتاب لينين الشهير (ما العمل؟) الصادر سنة ١٩٠٢ والذي يعتبر أحد النصوص التأسيسية في الفكر الماركسي-اللينيني، إذ قدّم فيه تصوراً نظرياً متماسكاً لدور الحزب الثوري في قيادة الصراع الطبقي.

كُتب هذا العمل في سياق أزمة الحركة الاشتراكية-الديمقراطية الروسية، التي عانت من هيمنة النزعة الاقتصادوية والعفوية، ما دفع لينين إلى بلورة أطروحة مركزية حول العلاقة بين الوعي والتنظيم والثورة.

بالتأكيد ذلك الزمان يختلف تماماً عن هذا الزمان، فالمسافة الفاصلة بينهما تصل إلى أكثر من ١٢٤ عاماً، وخلال هذه الفترة الطويلة حدثت تغيرات هائلة وجرت تطورات كبيرة معقدة ومدهشة في كل شيء وبسرعة هائلة.  الواضح أن العالم يعيش مرحلة الاقتراب الوشيك من السيطرة الرقمية الكاملة على كل مناحي الحياة، ويتحول الإنسان بشكل تدريجي وسريع إلى رجل الي (روبوت) مبرمج.

في ظل هذه التحولات المتلاحقة، تبدو الكثير من الأحزاب السياسية القديمة والحركات والتيارات والتجمعات الوطنية الراديكالية التقليدية وحتى الأحزاب والحركات السياسية الجديدة نسبياً، تعيش في أزمة وجودية وفي حالة يُرثى لها، لا هي قادرة على مواكبة هذه الثورات والتطورات المستمرة والمتسارعة في عالم التقنيات والشرائح الرقمية والاتصالات وهبة الذكاء الاصطناعي، والطوفان المعرفي الذي طال النظريات الاقتصادية والسياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية، ولا هي قادرة إن تعيش كما كانت في السابق، مستخدمة أدواتها القديمة وأساليبها التقليدية ومعتمدة فقط على الإرث النضالي التاريخي الذي ترعرعت وتربت عليه، وضمن إطار تنظيمي بيروقراطي جامد، إذاً.. ما العمل؟

تبدو الحاجة ملحة اليوم لوجود قائد كبير مثل الرفيق لينين، وعلماء وفلاسفة مثل ماركس وأنجلس، يمكنهم أن يواجهوا أو يفسروا هذه المتغيرات الكبيرة والكثيرة التي طرأت على المفاهيم والمعطيات والمصطلحات، مثل الصراع الطبقي، والهزات الاجتماعية والاقتصادية التي تسببت بانهيار بعض الطبقات، التي كانت أساسية في المجتمع، وتصدع وانزياح بعضها الآخر، وظهور تشكيلات طبقية جديدة لم تكن موجودة سابقاً، وهناك الكثير من المسائل والقضايا التي كانت تعتبر سابقاً من الحقائق والمسلمات، قد تبدلت وأصبحت محط خلاف وجدال، وتحتاج إلى إعادة تقييم ومناقشة وحوار في ضوء المستجدات والمتغيرات الحاصلة، آخذين بعين الاعتبار نظرة الجيل الجديد من الشباب إلى هذه الثورات المعرفية الكبيرة وانخراطهم المباشر فيها، وهي لعبت وتلعب دوراً كبيراً في توجيه وعيهم ومتطلباتهم الحياتية اليومية، فارضة عليهم ثقافة جديدة وفكراً جديداً، وأولويات واهتمامات مختلفة، ابتدعها عصر العولمة بقيادة (الإمبريالية الرقمية المتوحشة).

نعم، الحياة تغيرت وتطورت بشكل مذهل، جعلت هذا الجيل الرائع والذكي، رهيناً للإعلام المشبوه ومحبوساً للأسف ضمن عالمه الافتراضي من خلال شاشة LCD، والمتفاعل معها لحد الذوبان، والتي تنقله بقدرة قادر إلى عالم خيالي واسع رحب يعيش فيه حياته وبطولاته الفيسبوكية الخارقة مع كل أنواع التفاهات التي تشده وتلفت انتباهه ويتفاعل معها ومع ابطالها، الوهميين (الترنديين الجدد)، الذين أصبحوا بالنسبة له القدوة والمثل.

يعتقد البعض بأن ما يسمى (القيادة الخفيّة) للعالم هي المسؤولة عن كل ما يجري من قلب للمفاهيم وللحقائق، وتزييف التاريخ وتخريب عقول الشباب والسيطرة عليهم بأساليب خارقة تقود وتوجه اهتماماتهم إلى ما تريده هي بالضبط، وتجعلهم يطالبون به من خلال احتجاجات عارمة هنا وثورة ملونة هناك، وهذه القيادة هي المسؤولة بشكل أو بآخر عن تحطيم نفسيات الشباب وأحلامهم، وهي تسعى وتعمل جاهدة على هدم ما تبقى عندهم من تربية (قديمة) وأخلاق إنسانية موروثة ومن عادات وتقاليد أصيلة تربت عليها تاريخياً، من خلال العلاقات الاجتماعية والروابط الأسرية الخلاقة والإيجابية، التي تشجع على السلام والمحبة والتسامح والعيش السلمي المشترك والوحدة الوطنية والرجولة والشهامة، وبناء الأسرة والإنجاب والمحافظة على الجنس البشري من الانقراض، وبناء العلاقات الإنسانية على مبدأ الاحترام والاحترام المتبادل …الخ، وتأتي هذه القيادة الخفية وتنفث سمومها في عقول الشباب عبر أسطولها الإعلامي الممنهج، ويقوم ما يسمى بـ(الذباب الإلكتروني) بنقلها، عبر هذه التقنيات الرقمية والبرامج الافتراضية، فتجري الاستعاضة عن السلام بالحرب، وعن المحبة والتسامح بالكره والحقد، وزرع الفتن الطائفية والعرقية والقومية لقبول فكرة التقسيم، وتشجيع انتشار الإرهاب والنازية والفاشية، والاستعاضة عن الجمال بالقبح، وعن الأصالة بالخلاعة، والاستعاضة عن مفهوم الأسرة بالمثلية وتشجيع عدم الإنجاب عن طريق إجراء عمليات الإجهاض، والاستعاضة عن الأخلاق البشرية بأخلاق وقوانين جامدة افتراضية مزعومة، وزرع أفكار شيطانية خبيثة، لا تكتفي بأن تجعل المجتمع عقيماً، بل وجعل العقول التي تعيش فيه مخصية أيضاً.

لذلك نجد أن مهمة الأحزاب السياسية وقواها الوطنية، التي بالتأكيد تعي جيداً ما يدور حولها من كوارث ومن تطورات، ليست سهلة وتحتاج إلى إمكانيات كبيرة، وخاصة أن هناك تغيرات جوهرية طرأت كما قلنا على طبيعة الصراع وأن الصيغ الحزبية، والأساليب التنظيمية والنضالية السابقة لم تعد كلها صالحة للعمل، وهي تحتاج إلى تطوير واستخدام أساليب جديدة ومتطورة تتماشى مع المتغيرات الحاصلة ولا تتماهى معها، بل قد يكون من الضروري العمل على ملاقاتها وتحويل استخدام هذه التقنيات الحديثة لمصلحة نضالها الإنساني الكبير من أجل وقف الحروب والدمار وإحلال السلام ورفع مستوى الحياة المعيشية للناس، وتطويع هذه التطورات والمتغيرات لتكون نعمة على البشرية، لا نقمة عليها، وتكون وسيلة مساعدة متطورة من أجل زيادة الإنتاج وتحسين الإنتاجية والاستخدام الأمثل للموارد الطبيعية وتوزيع عادل للثروات على الجميع دون استغلال واحتكار وقهر وحروب، ليعم الأمن والأمان كل المعمورة ويحمل معه الازدهار والرفاهية والتنمية الاقتصادية لكل البشر.

نعم، أتمنى أن يتحقق ذلك، ولكن يبدو أن الموجة المعاكسة عالية جداً وعاتية والمهمة ليست سهلة، وخاصة بعد الانتصارات المؤقتة والمتواصلة للقوى الإمبريالية التي يبدو أنها سيطرت على كل مفاتيح هذه التطورات التقنية والتكنولوجية، وهي الآن تحاول أن تسيطر بشكل مطلق على الثورات الرقمية والذكاء الاصطناعي وإدارتها من أجل أن تعمل لخدمتها ولتنفيذ مشاريعها المشبوهة ، الأمر الذي ساهم في دخول الإمبريالية عصر التوحش، وأصبحت أكثر عدوانية وشراسة ووقاحة وكأن الكون كله أصبح طوع يديها، راضخاً لإرادتها ومحكوماً منها، وهي تفرض إملاءاتها وشروطها كما تريد، دون أي رادع، ولا تقيم أيّ اعتبار لا للقانون الدولي، ولا للاتفاقيات الدولية، ولا لسيادة الدول، وخير مثال على ذلك التوحش والاستهتار، وما حدث مؤخراً في فنزويلا والتدخل العسكري الأمريكي بطريقة أفلام الكابوي المباشر في شؤونها الداخلية واعتقال الرئيس الشرعي مادورو وزوجته، دليل على ذلك، ويبدو أن هذه السياسة الأحادية ستستمر بكل وقاحة وفظاظة إن لم يوضع حد لها، علما أن وضع الحد لها يبدو لن يتحقق دون حرب عالمية مدمرة، وبالفعل العالم يقف اليوم على حافة الهاوية، ويبدو جلياً أن الإمبريالية التي تحفر قبرها بيديها الآن، لا تريد أن تموت وحدها بل هي مصرة على دفن العالم كله معها. لذلك وضمن هذه المعطيات وهذا الفلتان المخيف للمارد الامبريالي الأمريكي الصهيوني محمولاً على أكتاف حاضنته الغربية الأوربية وحلفائهم الجبابرة، قد تبدو مهمة الأحزاب والحركات السياسية والقوى الوطنية والديمقراطية وفعاليات المجتمع المدني والأهلي، في التصدي لهذه الفورة العنيفة، شبه مستحيلة، ومهما عملت على تطوير أساليب عملها ونضالها، لمواكبة هذه التطورات والاحداث المتلاحقة، ستبقى عاجزة تماماً، ليس في مواجهتها والاصطدام معها فحسب، بل ويمكن أيضا الشعور بالعجز المؤقت عن تقديم الحلول المطلوبة والسريعة لمواكبة عملية التطورات واللحاق بركب الثورة التقنية والرقمية العظيمة.

إذاً، وأمام هذه اللوحة السوداء القاتمة للعالم يعود السؤال من جديد: ما العمل؟! لكي تنهض الأحزاب السياسية والقوى الوطنية لتضطلع بمهامها وتعمل، ضمن هذه الظروف الاستثنائية التي لم تشهدها البشرية من قبل، وتكون سياستها مقبولة ومفهومة من قبل الجماهير، هذا من جهة، ومن جهة أخرى من أجل أن تبقى هذه الأحزاب والمنظمات والحركات على قيد الحياة السياسية وحفاظها على ما تبقى من الرفاق والأصدقاء الذين ما يزالون صامدين ومؤمنين بأفكارهم النبيلة؟!

من أجل كل ذلك قد لا يكون أمام هذه الأحزاب والحركات، إلا العمل بهدوء وعقل وحكمة، وفي الوقت نفسه لا بد من إعادة تقييم جريء للعمل السابق، وإجراء كما يقال (فَرْمتة) كاملة للعمل الحزبي والسياسي، واتخاذ خطوات ملموسة وبشكل جدي ومستمر لتوحيد كل الجهود المشتركة مع كل القوى الوطنية والتقدمية واليسارية والتنسيق الدائم معها حتى تصل الأمور إلى مرحلة النضج والاقتناع من كل هذه الأحزاب والتجمعات والتيارات بأن ما يجمعها أكثر بكثير من ما يفرقها، وأنه من الضروري للجميع العمل معاً في جبهة واحدة أو تجمع واحد، ريثما ينضج العامل الذاتي، ليصبح جاهزاً لملاقاة العامل الموضوعي، الجاهز تماماً لتشكيل حزب سياسي من طراز جديد، يستطيع أن يقود النضال السياسي بطريقة جديدة ومناسبة، وخاصة أن الصراع الطبقي الذي نعرفه سابقاً قد أجرى عدة عمليات ترقيع وشفط ونفخ وتجميل لمعالمه التناحرية وارتدى ملابس جديدة، تماشياً مع ابتهاجات الإمبريالية بانتصاراتها الكبيرة التي تحققها، وفرحتها الكبرى التي تعيشها بدخولها قفص مرحلتها الجديدة، مرحلة (الإمبريالية الرقمية المتوحشة)، التي ستكون نهايتها الحتمية بالتأكيد.

العدد 1186 - 11/02/2026