(أنشودة الحصار).. للشاعر أيمن أبو الشعر

رامي الشاعر:

رؤى استشرافية مذهلة انطلقت من حصار النازيين للينينغراد، ولم يكن مصادفة أن يشبّه الرئيس بوتن حصار غزة بحصار لينينغراد

 

استشراف المستقبل أو استقراؤه ليس حالة ميتافيزيقية كما لدى العرافين، بل هو قراءة للتاريخ بموضوعية، واستخلاص عبره ودروسه وحتى بعض أسراره، خاصة إن انطلق من حدث تاريخي مشهود كحصار لينينغراد، وحين يكون صاحب هذه الرؤى شاعر ينطلق من أرضية واقعية علمية عبر نتاجاته التي تخطت حتى الآن ثلاثين مؤلفا في مجالات الشعر والقصة والمسرح والدراسات والترجمة.

نقول ذلك بثقة لأن التاريخ نفسه يحدد هذه الملامح، فقد كتب الشاعر أيمن أبو الشعر قصيدته (أنشودة الحصار) مستلهماً أحداث حصار لينينغراد، ثم ضاعت زمناً، فضمّها فيما بعد -حين عثر عليها بين أوراقه مؤخرا- إلى مجموعته (تغريبة أهل الشام)، ويقول أيمن أبو الشعر لـ(روسيا اليوم) إن قصيدته هذه مستلهمة بالفعل من الصمود الأسطوري الذي أبدته مدينة لينينغراد البطلة إبان الغزو النازي. والرائع في الأمر أن القصيدة باتت تعبيراً مجسّداً لحصار بيروت بداية الثمانينيات، فقد نشرها الشاعر ملحّنة ومغنّاة آنذاك. وهي اليوم تعبير عن واقع غزّة، فالآلام البشرية واحدة، سواء في لينينغراد أو في بيروت أو في غزة، وسواء أكانت تعبيراً عن معاناة في زمن بعيد أو قريب وآخر يمكن أن يحدث في المستقبل.

الجديد والجميل أن المطربة الفنانة لانا هابراتسو التقطت هذه المؤشرات النبيهة والحساسة جداً في تحويل هذه القصيدة إلى أنشودة مغناة في هذا الوقت بالذات، حيث تعيش غزة ما عايشته لينينغراد في الحرب الوطنية العظمى، وبيروت بداية الثمانينيات، وتجاوب مع هذه الفكرة الملحّن المبدع معن دوّارة، الذي تقمّص روح الشاعر في رؤاه هذه، وأعطى القصيدة لحناً مميزاً يحمل البعد الإنساني الذي يبرز طبع التحدي لانتصار الحياة على الموت، ما يعني أن رسالة الشاعر قد وصلت عبر إبداع مكثف ثلاثي من الشاعر أيمن أبو الشعر نفسه، والملحن معن دوارة، والمطربة لانا هابراتسو، وسيبقى هذا النشيد تعبيراً عن صمود البشر وانتصارهم على الموت والفناء في أي بقعة من العالم، على الرغم من كل الخراب والدمار كما تقول نهايتها: (من كوة الخراب والدمار سيصمد البشر)، نعم، لأن الحجارة والجدران تنهار بالقذائف، لكن الذين صمدوا في لينينغراد التي دمرها النازيون بكاملها تقريباً هم البشر الذين كانوا أصلب من البيتون المسلح، كما هو الحال في حصار بيروت عام 1982 وحصار غزّة المتكرر في السنوات الأخيرة! ورغم أن النشيد قصير نسبياً إلا أنه يكثف التجربة الإنسانية المديدة عبر القرون، التي خطّها صمود لينينغراد الذي استلهم منه الشاعر نشيده، فقد كان من أكثر الحصارات في التاريخ قسوة وإرهاقاً بحشود عسكرية ألمانية بلغت ثلاثة ملايين عسكري، ولم يكن مصادفة أن يشبّه الرئيس الروسي بوتين الحصار الإسرائيلي على غزة بحصار النازيين لمدينة لينينغراد السوفييتية إبان الحرب العالمية الثانية.

وإليكم هنا نشيد الحصار بكلمات الشاعر أيمن أبو الشعر (نصّاً)، ومن الفنان معن دوّارة لحناً، ومن المطربة لانا هابراتسو أداء. إنه حقّاً نشيد انتصار الحياة على الموت، ونشيد مجد صمود البشر! وموقع (روسيا اليوم) يتوجه بالتحية لهذا الثلاثي المبدع الملتزم بقضايا الإنسان والحب، والنضال في سبيل غد أفضل.

نعم، من كوة الخراب والدمار سيصمد البشر!

 

أغنية الحصار

فلتزحفِ الحراشفْ

لن يرحلَ النَهرْ

ولتمحَقِ الزواحفْ

القمحَ والزَهَرْ

لن يشردَ الغمامُ عن مواسِمِ المَطرْ

لم يبقَ للنظرْ

ظلٌّ سوى الحُفَرْ

قذائفٌ قذائفٌ

لم يبقَ في الشجَرْ

غصنٌ ولا ثمَرْ

قذائفٌ قذائفٌ

ولم تزلْ دماؤُنا منابعَ النهَرْ

لن يرحلَ النهرْ

فليفهَمِ الحِصارْ

لو هدَّ ألفَ دارْ

لو فتَّتَ البيوتْ

حجراً على حجَرْ

لن يسقطَ النهارْ

من كوةِ الخرابِ والدمارْ

سيصمدُ البشرْ!

 

العدد 1096 - 21/2/2024