النواب الشيوعيون في مجلس الشعب: لماذا غابت زيادة الرواتب والأجور عن أولويات الحكومة؟!

مشروع موازنة عام 2024

تضخم الإنفاق الجاري.. وأولويات على الورق فقط!

قدّمت الحكومة بيانها المالي حول مشروع الموازنة العامة للدولة لعام 2024، في ظل الأزمة التي ما تزال تداعياتها تعصف بسورية، وهي ظروف استثنائية بجميع المقاييس، فمفاعيل هذه الأزمة، وبخاصة الاحتلال التركي والأمريكي والحصار الاقتصادي الجائر والعقوبات التي توجت بفرض قانون (قيصر) التي فرضها التحالف الدولي المعادي لسورية، بقيادة الإمبريالية الأمريكية، والخسائر الكبيرة التي تكبدها الاقتصاد الوطني بفعل غزو الإرهابيين الذين دمّروا البشر والحجر والشجر، تركت تأثيرها السلبي، على مجمل النشاط الاقتصادي في البلاد، وتأثرت به القطاعات الإنتاجية العامة والخاصة، إذ تقدر قيمة الأضرار الناتجة عن مفاعيل هذه الأزمة حسب الخبراء الاقتصاديين بنحو 600 مليار دولار حتى الآن، ودخل الاقتصاد الوطني مرحلة ركود انعكست لا على المؤشرات الاقتصادية  فحسب، بل انعكست أيضاً على الأوضاع المعيشية لجماهير الشعب السوري، وخاصة الطبقة العاملة والفئات الفقيرة والمتوسطة، إذ ارتفعت نسب الفقر والفقر المدقع والبطالة والهجرة والتسرب من التعليم.

وقد شارك الرفيق إسماعيل حجّو في المناقشة، وقدّم المداخلة التالية:

بلغت اعتمادات مشروع الموازنة 35500 مليار ليرة سورية، أي بزيادة قدرها نحو 114% عن موازنة عام 2023، منها 26500 ملياراً للعمليات الجارية، و9000 مليار للعمليات الاستثمارية. أما الإيرادات فقد بلغت نحو 15000 للإيرادات الجارية، و11000 مليار للإيرادات الاستثمارية. وبلغ العجز 9000 مليار ليرة، أي ما نسبته 26% من إجمالي الموازنة.

 

أولويات العمل الحكومي

1-جاء في مشروع الموازنة حزمة من الأولويات التي تسعى إليها الحكومة، ومن ضمنها إجراءات وخطوات تتعلق بالعملية الإنتاجية بشقيها الزراعي والصناعي، والسؤال هنا: كيف تنفذ الحكومة هذه الأولويات إذا كان الإنفاق الاستثماري يعادل 26% من حجم الموازنة الإجمالي؟!

2-لماذا غابت عن أولويات الحكومة مسألة هامة وهي زيادة الرواتب والأجور كي تتناسب مع الأسعار التي تعترف الحكومة بأنها ترتفع مع ارتفاع أسعار القطع الأجنبي، ونؤكد نحن من جهتنا أن تلك الأسعار ترتفع أيضاً مع جشع كبار المستوردين والتجار، مستغلين غياب الحكومة وجميع أدواتها عن التأثير في الأسواق، وعن لجم تحكم الحيتان الكبار بلقمة المواطنين ودوائهم ودفئهم.

3-إن تنفيذ هذه الأولويات يحتاج إلى ضخ استثمارات جديدة في العملية الإنتاجية، كما يتطلب حسب اعتقادنا تحفيز الاستثمارات الخاصة، لا عن طريق قوانين مشجعة فحسب، بل عن طريق توفير بيئة آمنة ومستقرة، وقضاء نزيه، واختصار الإجراءات البيروقراطية، وضبط أسعار القطع الأجنبي.

 

تضخم الاعتمادات

السمة البارزة في مشروع الموازنة هي تضخم الاعتمادات، الناتج عن تراجع قيمة الليرة السورية أمام القطع الأجنبي، إذ جرى اعتمادها استناداً إلى سعر صرف يعادل 11500 ليرة سورية للدولار الواحد بدلاً من 3000 ليرة سورية للدولار الواحد. وهي تعادل نحو 3 مليارات و45 مليون دولار مقابل 5 مليارات و 516 مليون دولار، في موازنة العام الماضي.

يأتي مشروع الموازنة بعد مؤشرات تشير إلى تراجع تأثير أدوات الحكومة في الأسواق، وإلى تخفيض الدعم الحكومي. ونكرّر هنا ما نبّهنا إليه دائماً، إن تهميش تحسين الوضع المعيشي للفئات الفقيرة والمتوسطة، وخلق مناخ اقتصادي واجتماعي يغضب الجماهير الشعبية في الدول النامية المعادية للاستعمار والإمبريالية، كان هدفاً سعت إليه الولايات المتحدة منذ عقود، بهدف تقويض الأنظمة السياسية في هذه الدول، والاستعاضة عنها بأنظمة موالية، لذلك طالبنا مراراً بدعم الفئات الفقيرة والمتوسطة التي تعد الحامل الرئيسي لصمود سورية أمام غزو الإرهاب التكفيري، وهي اليوم الضامن الأكبر لطرد المحتلين الصهاينة والأتراك والأمريكيين من التراب السوري.

الموازنة أداة الحكومة الرئيسية للتأثير في القطاعات الإنتاجية والخدمية، وتنفيذ سياستها الاجتماعية، وتحقيق أكبر قدر من الاستقرار، وتؤدي الموازنة في الدول الساعية إلى التنمية الاقتصادية والاجتماعية  دوراً رئيسياً في إعادة توزيع الدخل الوطني بين فئات المجتمع، وذلك باقتطاع نسبة من أرباح ودخول الفئات الأكثر دخلاً، وتوزيعها على مشاريع تستفيد منها جميع الفئات الاجتماعية وخاصة الفقيرة منها، كمشاريع البنية الأساسية والتعليم، والإنفاق الاجتماعي على الفئات الأكثر فقراً، لكن ما عبّرت عنه وزارة المالية حول اعتماد الموازنة على الإيرادات الجارية، أي الضرائب والرسوم التي بلغت 10544 مليار مرتفعةً بنسبة 106%عن عام 2023 يثير القلق، فمادام الاقتصاد السوري مازال يعاني من الركود، فالبديل هو جيوب المواطنين، وهنا يكمن تخوفنا من رفع معدلات الضرائب  والرسوم غير المباشرة التي تجاوزت الضرائب المباشرة،بزيادة قدرها 111%، هذه الرسوم غير المباشرة التي يعدها الأقتصاديون رسوم ظالمة إذ يتساوى في دفعها الفقراء والأغنياء، في وقت يذوق فيه 80% من الشعب السوري الأمرين لتحصيل قوت يومه.

 

ملامح الموازنة العامة للدولة لعام 2024

بلغ الحجم الإجمالي للموازنة 35500مليار ليرة سورية، خصص منها مبلغ 26500 مليار للإنفاق الجاري و9000 مليار للإنفاق الاستثماري، والسؤال هنا: كيف ستحقق الحكومة الفوائض الاقتصادية الواردة في مشروع الموازنة في ظل تدني النفقات الاستثمارية نسبة للنفقات الجارية؟

كنا نتوقع، نظراً إلى حجم الوعود الواردة في بيان الحكومة أمام مجلس الشعب، أن تكون الأداة هي زيادة الاستثمارات الخاصة والعامة، كي تحصل الحكومة على مزيد من الإيرادات، فالنفقات الجارية لا تؤدي إلى زيادة إيرادات الحكومة، بل يزيدها الإنفاق الاستثماري في القطاعات المنتجة والمرافق الحيوية.

 

أولاً- الاعتمادات الجارية

1- بلغ إجمالي الدعم الاجتماعي الإجمالي، حسب ما جاء في بيان الحكومة المالي، نحو 6218 مليار ليرة سورية، رغم انخفاض دعم المشتقات النفطية بعد أن رفعت الحكومة خلال عام 2023 أسعار البنزين والمازوت والغاز المنزلي والصناعي، مما أدى إلى ارتفاع أسعار جميع السلع المصنعة وطنياً، وزاد من أعباء الفئات الفقيرة والمتوسطة.

خصص لدعم المشتقات النفطية نحو2000 مليار، منخفضاً عن 3000 مليار، وهو المبلغ الوارد في موازنة 2023، ولكن حتى اليوم لا أحد يعلم كيف يجري احتساب قيمة هذا الدعم، وما هي الأسس المعتمدة.

وخصص لدعم العجز التمويني والخميرة نحو 4000 مليار ليرة، رغم رفع الحكومة سعر ربطة الخبز، ورغم معاناة المواطن السوري في الحصول على الرغيف، ويتساءل الكثيرون: هل مبالغ الدعم الواردة في مشروع الموازنة واقعية؟ وكيف يجري احتساب تكاليف هذا الدعم؟

خصص 50 مليار ليرة لدعم صندوق التحول للري الحديث،ولا أحد يعلم أين تجري عمليات التحول هذه!

2- خصص نحو 4580 مليار ليرة كاعتماد مخصص للرواتب والأجور والمعاشات التقاعدية، بزيادة بلغت 116% مليار ليرة عن موازنة العام الماضي، هذا الرقم لا يتناسب مع عدد الباحثين عن عمل، الذين يلجؤون في أغلب الأحيان إلى الهجرة، وهذا ما يتطلب زيادة استثمارات الحكومة في قطاعها الصناعي والإنشائي لخلق فرص عمل جديدة، وتحفيز القطاع الخاص الإنتاجي ودعمه لتوفير هذه الفرص.

 

ثانياً- الاعتمادات الاستثمارية

1-بلغت اعتمادات الإنفاق الاستثماري 9000 مليار ليرة، بزيادة بلغت 200% عن موازنة 2023، أعطيت الأوّلية لمشاريع الكهرباء والمياه ومشاريع الإدارة المحلية والزراعة، وهو توجه ينسجم مع احتياجات المرحلة، وكنا وما زلنا نطالب بدعم الصناعة التحويلية في القطاع العام الصناعي، بعد أن هُمّشت مشاكل هذا القطاع في العقد الماضي، وهذا لا يتحقق دون زيادة الاستثمارات الحكومية في معامله ومصانعه وتطويرها وإنشاء صناعات جديدة.

2- زادت اعتمادات النقل بنحو 250 مليار ليرة سورية عن موازنة العام الماضي، ونأمل أن تكون هذه الزيادة في إطار معالجة معاناة المواطنين السوريين في جميع المدن من أزمة التنقل والانتقال، بسبب غياب قطاع النقل الحكومي، ونتمنى أن تحوّل هذه الاعتمادات إلى شراء وسائل نقل جماعية، فأزمة التنقل في المدن أرهقت المواطنين، وإلى تحسين حالة الطرق العامة داخل المدن وخارجها.

3- خصص ضمن الاعتمادات الاستثمارية مبلغ 2095 مليار ليرة كاعتمادات احتياطية للمشاريع الاستثمارية، ونأمل أن تصرف هذه الاعتمادات، على تكملة المشاريع الاستثمارية، وإقامة مشاريع جديدة. نحن مع تنفيذ المشاريع المحددة في الموازنة بتكلفتها الواردة فيها، والتدقيق في كل كلفة إضافية، ومتابعة مراقبة تنفيذ هذه المشاريع عن طريق تقارير التتبع الربعية، واستخدام هذا الاحتياطي لإصلاح القطاع العام الصناعي، وإنشاء مشاريع صناعية جديدة.

ثالثاً- الإيرادات العامة

بلغت الإيرادات المقدّرة في المشروع مبلغ 26096 مليار ليرة مرتفعة من 11690 مليار ليرة سورية، في موازنة 2023، منها 15041 مليارات إيرادات جارية و11055 مليارات إيرادات استثمارية.

صحيح أن تراجع الإيرادات العامة الناتج عن مرحلة الركود التي يمر بها اقتصادنا الوطني، ويمارس تأثيره على الإنفاق الجاري والاستثماري للحكومة خلال السنوات العشر الماضية، ويحجم دورها في خلق فرص العمل، وزيادة الاستثمار في القطاعات الاقتصادية العامة، لكن هذا التراجع يمكن التخفيف من آثاره عن طريق تحفيز المشاريع الصغيرة، وتعديل التشريعات الضريبية وملاحقة المتهربين ضريبياً.

1-بلغت الضرائب والرسوم 10544 ملياراً مرتفعة من 5100 مليار موازنة العام الماضي، لكن اللافت في هذه السنة ارتفاع الضرائب غير المباشرة، ذات التحصيل السريع، التي تفتقد إلى العدالة، إذ يتساوى في دفعها الفقراء والأغنياء، عن الضرائب المباشرة على الأرباح والريوع، ونحن نطالب بتخفيض هذه الضرائب كشكل من أشكال دعم الفئات الفقيرة والمتوسطة.

هناك من استغل الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها بلادنا، وراكم أرباحاً فلكية عن طريق الاحتكار، ورفع أسعار المواد والسلع الأساسية، مما يستوجب ملاحقته ضريبياً، كذلك نرى أهمية ملاحقة المتهربين المزمنين من دفع ضرائب الأرباح والريوع والدخل المقطوع، بهدف زيادة حصيلة الضرائب المباشرة التي تعد الضريبة الأكثر عدلاً.

2-بلغت الإيرادات لاستثمارية 11055 مليار ليرة مرتفعة عن 4424 مليار في موازنة العام الماضي، وهذه الإيرادات لا تتناسب مع ملكية الدولة للقطاع العام والمرافق والمشاريع المختلفة، وهذا ما يتطلب زيادة الاستثمارات الحكومية، وتطوير الإدارات في هذه القطاعات.

 

رابعاً- عجز الموازنة

بلغ عجز الموازنة المقدر في المشروع 9404 مليار ليرة، بنسبة 26% من إجمالي الموازنة، منخفضة عن عجز  العام الماضي 29%، وهي نسبة تتناسب مع ما تعانيه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، لكننا نتمنى أن يُسَدّ العجز عن طريق زيادة الفوائض الاقتصادية، وترشيد الإنفاق العام، ووقف الهدر، لكن هذه الخطوات غير كافية حسب اعتقادنا، لذلك نرى ضرورة وقف التكسب من الأموال العامة، ومكافحة الفساد الذي يفوِّت على خزينة الدولة مليارات، وترشيد استيراد المواد والسلع من الخارج، وعودة الدولة بقوة إلى ممارسة دورها في العملية الاقتصادية إنتاجاً وتسويقاً داخلياً وخارجياً عن طريق مؤسساتها المتخصصة التي هُمّشت طويلاً، وحل مشكلات القطاع العام الصناعي، وتسهيل إقراض الصناعيين الصغار والحرفيين وأصحاب المعامل والورش الصناعية الصغيرة في المناطق الآمنة.

إنها ملاحظات سريعة على مشروع الموازنة العامة للدولة لعام 2024، التي وضعت متأثرة بالظروف الصعبة في البلاد، بعد أزمة عاصفة وحصار ظالم وتدخّل مباشر من الحلف المعادي لسورية، وغزو إرهابي سعى إلى تهديم كل ما بنته الأيدي السورية الخيرة على مدى عقود، ونحن على يقين بأن إنهاض اقتصادنا الوطني مرتبط أولاً بنجاح المساعي الدولية لحل الأزمة السورية سلمياً، وثانياً بالعمل على إعادة الإعمار بعد نجاح المساعي السلمية وفق خطة حكومية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة والمستدامة، بالمشاركة مع الرساميل الوطنية المنتجة، والاعتماد على الإمكانات الذاتية الكامنة في قوة وصلابة شعبنا، ومواردنا الغنية، وأيضاً على مساعدة الدول الصديقة.

نؤكد موقف حزبنا الشيوعي السوري الموحد، الداعي إلى زيادة رواتب وأجور العاملين في الدولة والقطاع الخاص بنسبة تتناسب مع ارتفاع أسعار جميع السلع والخدمات، وزيادة التدخل الحكومي في الحياة الاقتصادية، إنتاجاً وتسويقاً ورقابة، ومكافحة الفساد الذي تغلغل في جميع المفاصل الاقتصادية والإدارية.

أخيراً.. إن هدف الموازنة يجب أن يتركز على تخفيف أعباء الفئات الفقيرة والمتوسطة، فهي الداعم الرئيسي لجيشنا الوطني الباسل في مقاومته للاحتلال، ومواجهة نوايا التقسيم، والحفاظ على السيادة السورية ووحدة البلاد أرضاً وشعباً.

العدد 1112 - 26/6/2024