الضربة القاضية

د. نهلة الخطيب:

شهدت الأيام الماضية حراكاً أمريكياً غير مسبوق، فقد أجرى وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، المعني بالقوة الدفاعية والأمنية لأقوى دولة قطبية بالعالم والذي تولى قيادة القوات الأمريكية في الشرق الأوسط قبل أن يصبح وزيراً للدفاع، جولة في الشرق الأوسط شملت ثلاث دول هي مثلث الصراع فيه مصر والأردن وإسرائيل، وتهدف الزيارة كما أعلن عنها إلى تعزيز الشراكة والتعاون وإلى دعم بلاده للحلفاء الرئيسيين بمنطقة الشرق الأوسط في مواجهة التهديدات المتزايدة المرتبطة بالملف النووي الإيراني، إضافة إلى خفض التوترات في مدن الضفة الغربية إثر الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة، وتضمنت جولة أوستن أيضاً زيارة مفاجئة غير معلن عنها إلى العراق، للتأكيد على الشراكة الاستراتيجية والتزام واشنطن بالحفاظ على وجودها العسكري فيه، متزامنة مع الذكرى العشرين للغزو الأمريكي للعراق في20 آذار عام 2003، في الوقت الذي قام فيه رئيس هيئة أركان الجيش الأمريكي مايك ميلي، بزيارة تفقدية لجاهزية القوات الأمريكية الموجودة في المنطقة الشرقية من سورية، وزيارة لإسرائيل بحث فيه التهديد الإيراني، فهل لهذه الزيارات الأهداف المعلنة فعلاً، أم هناك غايات أخرى؟

تشعر الولايات المتحدة الأمريكية بقلق إزاء تقدّم إيران غير المسبوق في برنامجها النووي (إذ بات واضحاً تطور إيران في مجال أبحاثها النووية منذ انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق النووي عام 2018) والمتزامن مع اكتشاف الوكالة الدولية للطاقة الذرية لجزيئات اليورانيوم عالية التخصيب بنسبة 90% وأن إيران تحتاج إلى 12 يوماً فقط لتخصيب ما يكفي من اليورانيوم المستخدم لصنع قنبلة نووية واحدة، وإسرائيل قلقة جداً إلى درجة الرعب والهلع من المشروع النووي الإيراني، ويظن أن هذا المشروع موجه أصلاً إليها نظراً لتهديدات إيران المستمرة بالقضاء على إسرائيل ومسحها عن الخارطة. إسرائيل تسعى دائماً إلى تضخيم خطر النووي الايراني للتملص من أي استحقاقات سياسية اتجاه القضية الفلسطينية، ولتغطية جرائم الحرب والانتهاكات الخطيرة والابادة الجماعية الممنهجة التي تقودها ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، ولجلب المزيد من الدعم العسكري والمالي من الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية.

باتت الدول العربية تتسابق على التطبيع مع إسرائيل، منها ما هو علني ومنها ما هو سري، مما أدى إلى تراجع الدور العربي بشكل كبير من كامب ديفيد إلى الآن، وتمزق النظام الإقليمي العربي وغياب السلطة، وزيادة دور إسرائيل في المنطقة، وبهذا تكون إسرائيل آمنة ولم يعد التهديد الوجودي يؤرقها، إنما بدأت تسعى لدور اقليمي في الشرق الأوسط وهذا ما أعلنت عنه مراراً، ولكن الشرق الأوسط شهد في السنوات الأخيرة ظهوراً قوياً ومتجدداً لإيران على المشهد العراقي والسوري واليمني واللبناني، وكانت بمواجهة مع إسرائيل التي شكلت تحالفاً مع السعودية والإمارات لمواجهة النفوذ الإيراني وإن لم يكن علانية في بداية الأمر على أعقاب حرب اليمن ودعم إيران للحوثيين. مشكلة إسرائيل مع إيران ليست فقط القدرات والسلاح النووي، وإنما في طموح إيران لأن تكون قوة اقليمية مؤثرة في المنطقة ومنافسة لإسرائيل في مجالها الحيوي التي تريده ضعيفاً مسالماً، وتكون لإسرائيل الصدارة العسكرية والتكنولوجية.

زيارة شخصية عسكرية بمستوى أوستن للمنطقة، هذا يعني أن المرحلة المقبلة تتطلب أن تكون لدى الإدارة الأمريكية خلفية عسكرية ورؤية واضحة، وخاصة أن إسرائيل تشهد أزمة طاحنة غير مسبوقة وأمام مفترق وجودي، فالانشقاقات الداخلية من جهة، والمقاومة الشعبية الفلسطينية من جهة أخرى، والخطر النووي الإيراني، وهي لا يمكن أن تنفرد باتخاذ قرارات استراتيجية دون الرجوع لأمريكا، وخاصة أن التنسيق العسكري والأمني بينهما قائم على قدم وساق، وفي الأغلب الولايات المتحدة على دراية كاملة بالهجمات الإسرائيلية ضد مواقع إيرانية.

وإن ضرب ايران هو ما يجول الآن وأكثر من أي وقت آخر، ولكنهم يعلمون أن الرد الايراني سيكون بحرق تل أبيب والأصول الأمريكية في الخليج، وأن آلاف الصواريخ الإيرانية الباليستية العالية الاستطاعة موجّهة إلى قواعدهم العسكرية ومنشآتهم الاستراتيجية، فضلاً عن أن توازنات العالم في حالة تغيير متسارع، وإيران جزء من الاستراتيجية التي تعمل على إلغاء القطبية الأحادية، وأن التعاون العسكري بين روسيا وايران في أعلى مستوياته، إذ تأكد تسلم إيران من روسيا أسلحة أطلسية متطورة مصادرة من أوكرانيا، وهناك حسابات أخرى أبرزها: الحرب الروسية الأوكرانية وتمدّد الصين في الشرق الأوسط وعلاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، مما أدى إلى تصاعد القلق لدى الإدارة الأمريكية لأن الصين تشكل التهديد المستقبلي للنظام الدولي.

في ذروة الحملة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وفي خطوة مفاجئة، أُعلِن عن اتفاق بين السعودية وإيران وظهور الصين اللافت في هذه التسوية، فكانت الضربة القاضية على رأس جو بايدن، بحسب قناة فوكس نيوز، وانقلاباً في المنطقة، والنتائج تأتي تباعاً وفي مناخات هادئة تشمل خارطة الصراع فلسطين ولبنان وسورية والعراق واليمن، وعلى ما يبدو أن لعنة العقد الثامن ستنزل بإسرائيل، وحسب المؤرخ بيني موريس أن إسرائيل مكان ستغرب شمسه وسيشهد انحلالاً أو غوصاً بالوحل.

التغيير في بنية النظام الدولي حتمية، والاختلال في موازين القوى والتحالفات بين الصين وروسيا وإيران أتت أُكلها، وهذا ما تخشاه أمريكا وما يستدعي التفكير بأعصاب باردة وعدم حرف البوصلة إلى مكان آخر، ومرة أخرى عدم تفجير المنطقة وما يترتب عليه من تداعيات كارثية على الوجود الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، الذي يبدو في الوقت الحاضر ضرورة استراتيجية بالغة الأهمية في الصراع مع روسيا والصين.

العدد 1096 - 21/2/2024