الصين دولة راعية للسلام في الشرق الأوسط.. السعودية – إيران أُولَى محطّاتها

د. سامي أبو عاصي – بكين:

بينما كانت الدبلوماسية الصينية تتلقّى ردود الأفعال على مبادرتها التي أطلقتها لحل الأزمة الروسية – الأوكرانية، كانت في الجانب الآخر تقوم، بعيداً عن الإعلام، بمبادرة لرأب الصدع ما بين المملكة العربية السعودية، والجمهورية الإسلامية الإيرانية. مبادرة عملت الصين فيها على جمع طرفي النزاع، وعلى مدار أربعة أيام 6- 10آذار في العاصمة الصينية بكين. وخرجت بعد مشاورات معمقة، وفي ساعة متأخرة من يوم الجمعة ببيان يُشير إلى استعادة العلاقات الدبلوماسية السعودية – الإيرانية بواسطة صينيـــــة أطلقها الرئيس الصيني شي جين بينغ، ورعــــاها محرك الدبلوماســـــــــية الصينية وانغ يي-
عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني.

في أول زيارة له لمنطقة الشرق الأوسط عام 2016 أراد الرئيس الصيني أن يكون على جدول زيارته كُلٌّ من السعودية وإيران، وذلك لإظهار أن الصين قريبة من كل الأطراف، وليست منحازة لأي طرف، وأنها قادرة على نسج علاقاتها بشكل متوازن مع الجميع. وفي نهاية العام الماضي كانت الزيارة الثانية للرئيس الصيني إلى السعودية ولم تكن له محطة في طهران، مما أثار الكثير من التساؤلات عما إذا كانت بكين قد غيرت من توجهاتها، ولكن كل تلك الشكوك قد بدّدتها زيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي لبكين الشهر الماضي، ليتبين فيما بعد أنه خلف كل تلك اللقاءات كانت الوساطة الصينية تسير باتجاه تقريب وجهات النظر بين الطرفين، إلى أن نضجت وتم الإعلان عنها.

من المُبكر اليوم الحديث عن آفاق هذه الخطوة على الجانبين السعودي -الإيراني لأن حِدَّة القطيعة التي كانت سائدة بين الطرفين تحتاج إلى بعض الوقت حتى يتم مَحْوُ آثارها، ولكن ما يمكن استنتاجه من الدور الصيني هو التالي:

  • الصين سوف تُكمل مسارها السلمي كراعية للسلام، وقد يبنى على دورها هذا في حل النزاعات المماثلة في بقية الدول.
  • قد تدفع هذه الخطوة كلاً من روسيا وأوكرانيا إلى إعادة النظر بالمبادرة الصينية لحل الأزمة.
  • الصين تنتقل من دور الانكفاء إلى الدور المؤثر كقوة سياسية عالمية موثوقة في اتجاه عالم متعدد الأقطاب.
  • دول منطقة الخليج العربي على أبواب الخروج من صيغة الحماية الأمنية التي ربطتها مع الولايات المتحدة الأمريكية، وإن دولها باتت قادرة على تنويع مروحة شركائها.

واشنطن التي حاولت ألا تظهر بالغائب عما كان يحدث خلال الفترة الماضية، أشارت على لسان المتحدث باسم الأمن القومي في البيت الأبيض قوله (إن واشطن على علم بتقارير استئناف العلاقات الدبلوماسية بين إيران والسعودية). ولكن مما لم يقله المتحدث باسمها إن جهودها بالدفع نحو إنشاء تحالف عربي – إسرائيلي لمواجهة إيران قد باءت بالفشل (حتى الآن)، وبات عليها أن تبحث عن (فزاعة) أخرى تُخيف بها العرب من الدور الإيراني. أما من جانب الكيان الإسرائيلي فقد كانت آثار الصدمة واضحة، وهو ما عبّر عنه رئيس الوزراء السابق، نفتالي بينيت، فقد أشار إلى أن (تجديد العلاقات (بين السعودية وإيران) هو تطوّر خطير لإسرائيل وانتصار سياسي لإيران). أما صحيفة هآرتس فقد كانت واضحة أكثر بقولها إن الاتفاق بين السعودية وإيران قد بدّد الحلم الإسرائيلي بإنشاء ائتلاف عربي دولي ضد إيران.

لقد أشار حزبنا الشيوعي السوري الموحد، أثناء مشاركته في الدورة الثالثة لمؤتمر الحوار بين الحزب الشيوعي الصيني وأحزاب الدول العربية في 8-9 تشرين الثاني 2022 إلى الدور المأمول الذي ننتظره من الصين كقوة فاعلة في مسرح الأحداث في منطقتنا العربية، وكدولة راعية للسلام في الشرق الأوسط. وإننا اليوم وإذ نرى بوادر ذلك قد بدأت تتحقق فإن هذا يعزز ثقتنا بأن الخيار البديل لمنظومة القطب الواحد، قد بدأ يأخذ مكانته على الساحة الدولية مما سوف ينعكس إيجاباً على شعوب بلداننا في العالم الثالث.

العدد 1096 - 21/2/2024