الذكرى الـ 75 لتأسيس الأمم المتحدة.. أداؤها والتحديات التي تواجهها

د. صياح عزام:

في الرابع والعشرين من شهر تشرين الأول 2020 تحل الذكرى الخامسة والسبعون لإنشاء منظمة الأمم المتحدة الذي يقترن بدخول الميثاق الأممي حيز التنفيذ منذ عام 1945.

وتمثل هذه المناسبة محطة لتقييم أداء هذه الهيئة الدولية ورصد ما حققته، مع التعرف على التحديات التي واجهتها ومازالت تواجهها في عالم اليوم، في ضوء المتغيرات الدولية الراهنة.

المنظمة منذ إنشائها جعلت من تحقيق السلم والأمن في العالم إحدى أهم أولوياتها، إضافة إلى تعزيز العلاقات الودية والتعاون بين الدول، وحماية حقوق الإنسان، وسعت لإرساء الأمن والسلام عبر مدخلين اثنين:

الأول: وقائي، ويتجسد في وضع مجموعة من المبادئ لضبط العلاقات الدولية في إطار من التعاون، وبعيداً عن مظاهر العنف، ومواجهة التحديات والإشكالات الاجتماعية والاقتصادية التي تنتشر في عدد من دول الجنوب.

والثاني: علاجي، ويرتبط بالتدخل سلمياً أو قهرياً للحد من الحروب والنزاعات المختلفة التي قد تنشب بين الدول.

بطبيعة الحال، أثّرت ظروف الحرب الباردة في مهام المنظمة، وعرقلت أداء مجلس الأمن أحياناً، بفعل الاستخدام المكثف لحق (الفيتو) الأمر الذي جعل العديد من الأزمات والنزاعات الدولية تُدار خارج إطار المنظمة الدولية، خاصة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية التي اشتهرت بمثل هذه العرقلة والانحياز باتجاه مصالحها ومصالح حلفائها.

في بداية التسعينيات من القرن الماضي ونهاية الحرب الباردة والترويج لنظام دولي جديد تلعب فيه الأمم المتحدة دوراً مركزياً واضحاً، بدأت المنظمة الدولية بالتركيز على المخاطر الدولية ضمن رؤية منفتحة ومتطورة للسلم والأمن، فقد أشرفت على عدة مؤتمرات بصدد مكافحة الإرهاب، وتلوث البيئة، وقضايا الفقراء والسكان والمرأة وحقوق الإنسان، وصدرت عدة قرارات عن مجلس الأمن بهذا الخصوص، والقضايا المذكورة، وبدا وكأن مجلس الأمن قد تحرر من قيود شلّت أداءه على امتداد أكثر من أربعين عاماً.

ولكن لم تكد تمضي سوى بضع سنوات على هذه الدينامية غير المعهودة في أداء المنظمة، حتى استفاق العالم على حقيقة وضع دولي مأزوم لم تتحمل فيه المنظمة مسؤولياتها المتعلقة بحفظ السلام والأمن الدوليين لعدة أسباب، أهمها الضغوط التي كانت تمارس بشكل مباشر أو غير مباشر على المنظمة وهيئاتها ومؤسساتها من قبل الولايات المتحدة وحلفائها لمنعها من أداء دورها المطلوب، بل وإجبارها على التماهي مع مصالح ورغبات أمريكا وحلفائها وعملائها، الأمر الذي أدى إلى تدهور الأوضاع في عدة دول منها سورية واليمن وليبيا على سبيل المثال، وغيرها من الدول الأجنبية.

أما ما يتعلق بالمخاطر والتهديدات العابرة للحدود، فهي كثيرة ومتنوعة، فالبيئة مازالت تتعرض للتدمير والتلوث رغم تحذيرات العلماء والمنظمات الدولية ذات الصلة بالموضوع، أما الإرهاب فمازال يتمدد ويهدد أمن العالم أجمع، علماً بأن بعض الدول الكبرى في المنظمة الدولية تدعمه وتستثمر فيه لصالحها مثل أمريكا ودول أوربية أخرى وتركيا، حتى إنه لم يتم التوصل إلى تعريف عالمي متفق عليه لظاهرة الإرهاب وبلورة استراتيجية فاعلة للقضاء عليه، وهناك ظاهرة الهجرة من دول الجنوب إلى دول الشمال بسبب الفقر والتباين التنموي الصارخ وانتشار الأزمات والصراعات التي غالباً ما تصطنعها دول كبرى تحنّ لإعادة استعمار الدول الصغرى ونهب ثرواتها. وقد نتجت عن هذه الهجرة مآسٍ عديدة، مثل غرق الكثير من المهاجرين في البحر، ثم المعاملة السيئة في الدول التي وصلوا إليها.

كذلك تحل الذكرى الـ 75 لتأسيس المنظمة الدولية في ظروف انسحاب الولايات المتحدة من عدة هيئات ومؤسسات تابعة لها من دون أي مبرر مقنع، وترافق الانسحاب بقطع المساهمات المالية الأمريكية عنها، ما يؤثر على أدائها لمهامها، وأيضاً في ظل استمرار تفشي جائحة كورونا وقصور الجهود الدولية في التصدي لها، الأمر الذي كلف العالم خسائر فادحة بشرية واقتصادية ومعاناة نفسية كبيرة.

باختصار، إن إعادة المصداقية إلى المنظمة تتطلب جهوداً كبيرة على طريق دعمها وإعادة الثقة بها، وانتشالها من التبعية لأمريكا وحلفائها، ووضع آليات فعالة لمواجهة المخاطر والأزمات الدولية ومشاكل الفقر والعنصرية.

العدد 937 - 25/11/2020