المعجزة في الصين.. أربعون عاماً من التخلّف إلى القمة!

 د. حسيب شماس :

امتلكت الصين في النصف الأول من القرن التاسع عشر ثلث الثروة العالمية. إلا أن حربا الأفيون البريطانيتان، ثم الاستعمار الياباني والبرتغالي الذين تعاقبوا أو وُجدوا في آن واحد على الأرض الصينية، تركت نتائج مدمرة للاقتصاد الصيني ونهباً لثروات البلاد.  

ثم انتصر نموذج الانتقال إلى الاشتراكية في الصين عن طريق الثورة الشعبية المسلحة عام 1949 بقيادة الحزب الشيوعي الصيني. ومرت بمرحلة البناء الاشتراكي، وأرسيت مرتكزات التنمية للقضاء على التخلف والفقر والحصار الخارجي.

إلا أن طموح الصين كان أبعد من ذلك، ما دفع القيادة الجديدة التي استلمت مقاليد الحكم بعد رحيل ماو تسي تونغ إلى محاولات طرح البدائل عن التنمية الصناعية تحت ما سمي (القفزة العظيمة إلى الأمام) التي أثبتت التجربة صعوبة تطبيقها في تلك المرحلة. فبدا في الأفق أن الصين مُقْدمة على خيارات فكرية واقتصادية كبيرة عرفت وابتدأت مرحلة جديدة بقيادة دينغ شياو بينغ منذ عام 1978 بانتهاج (سياسة الإصلاح والانفتاح) الذي قال: الاشتراكية لا تعني الفقر، والذي يعتبر اليوم بنظر الصينيين رائد الإصلاح والتنمية. الإنجازات التنموية الكبيرة التي حققتها الصين، خلال 40 سنة منذ اعتماد سياسة الإصلاح والانفتاح، بالاعتماد على الذات، مستفيدةً من النمط الصناعي في الدول الغربية المتطورة. فيما احتاجت الدول الغربية إلى 150 سنة للوصول إلى ما هي عليه بالاعتماد على الخيرات المنهوبة من دول وشعوب العالم المستعمَرة.

قال دينغ شياو بينغ: في ظل انهيار المعسكر الاشتراكي، أصابت الحركة الاشتراكية في العالم تعرّجات عدة. زعم المفكرون الغربيون أن الرأسمالية هي نهاية التاريخ ولا يوجد أي نظام اجتماعي بعدها، التاريخ سينتهي عند النظام الرأسمالي، وليس أمام الشيوعية مستقبل. لكنني كلي ثقة بأن عدداً متزايداً من الناس سيندفع نحو الاشتراكية، وللمعسكر الشرقي القدرة على تجاوز انهيار المعسكر الاشتراكي. كما اعتبر أن صعود الصين إلى مصاف الدول الكبرى لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الانفتاح على العالم، ما يتطلب إحداث بعض التعديلات على النظام القائم، فبدأت مرحلة جديدة من تاريخ الصين الحديث تحت عنوان (الاشتراكية ذات الخصائص الصينية) التي تتلخص في بناء الاشتراكية بآليات وأدوات رأسمالية، أطلق عليها الصينيون (سياسة الإصلاح والانفتاح) التي تراعي التغييرات المستجدة على مستوى العالم بغية الاستفادة من منجزات الثورة التكنولوجية وبما لا يتعارض مع جوهر الماركسية وبقيادة الحزب الشيوعي الصيني.

استندت السياسة الجديدة كما يقولون إلى مجموعة عناوين:

1_ إصلاح النظام الاقتصادي الذي يقيد تطور القوى المنتجة إصلاحاً جذرياً، ما يعني إدخال أدوات رأسمالية إلى المجال الاقتصادي الصيني والاستعانة بفئات وشرائح برجوازية للمساهمة في عملية بناء الاشتراكية.

2_ الاستناد إلى نظام اقتصادي جديد عبر التعايش ما بين قيم ومفاهيم اقتصاد السوق، بمعايير ومواصفات النظام الليبرالي الرأسمالي مع إبقاء السيطرة والإشراف للحزب الشيوعي الصيني، وأطلق على هذا المفهوم الجديد (اقتصاد السوق الاشتراكي).

3_ التمسك بسياسة الدولة الأساسية للانفتاح على العالم الخارجي، والاستفادة من كل المكاسب الحضارية التي يبدعها المجتمع البشري.

القرارات التي اتخذتها القيادة الصينية منذ عام 1978 اعتبرها البعض انقلاباً على الخيارات الفكرية والطبقية والتوجهات الإيديولوجية لدولة تعلن تبنيها للماركسية. فقد قادت السياسة الجديدة المتبعة إلى الحد من سيطرة جهاز الدولة المركزي على النشاط الاقتصادي، فقد جرى إقرار إصلاحات أدت إلى تغييرات كبيرة على مستوى الملكية الخاصة وعلى الانفتاح باتجاه الأسواق العالمية ودخول الاستثمارات الأجنبية نتيجة إقرار سلسلة من الحوافز والضمانات. وهذا ما مهد الطريق لدخول الرأسمالية من أوسع الأبواب.

الحزب الشيوعي الصيني يرفض هذا التوصيف الذي يتناقض مع واقع يقول إن هذه السياسة الاقتصادية المتبعة تعتبر ممراً إجبارياً لنهضة الصين، خاصة أنها تتم تحت إشراف مباشر من الحزب الشيوعي الصيني.

بعض المفكرين يتذكرون تجربة (السياسة الاقتصادية الجديدة) التي خاضها لينين في عام 1921 لإخراج روسيا من العزلة والحصار المضروبين حولها. رغم اختلاف الظروف في التجربتين من حيث الشكل أو المحتوى وطبيعة الحصار.

مهما اختلفنا في توصيف هذه السياسات والخيارات المتبعة، لا نستطيع إغفال حقيقة النقلة الكبيرة التي حدثت خلال الأربعة عقود الماضية. لقد كانت معجزة ولد نتيجتها مارد استطاع اقتصادياً إخراج شعبه من براثن الفقر والتخلف معتمداً على نظرية وفكر مرتبط بخصوصية حضارية وجرأة في نقاش النظرية واقتراح التعديلات بما يتناسب مع الواقع العالمي. ومن خلال الحفاظ على الاستقلالية والسيادة الكاملة والإمساك بعملية الإنتاج والتصنيع التكنولوجي وصولاً إلى التفوق في مجالات الاتصالات والذكاء الصناعي، مما جعل الصين تنافس على المرتبة الأولى في العالم كقوة اقتصادية. وقد قامت بالتحضير للمستقبل القريب بطرح مبادرة الحزام والطريق، لتكون عن طريق الربط بكل وسائل النقل المستعملة قريبة من كل دول العالم. اعتماداً على الاقتصاد استطاعت الصين أن تكون مؤثرة في السياسة على الساحة العالمية وفي الأمم المتحدة.

ما هي الاشتراكية ذات الخصائص الصينية؟                          

تعتمد الاشتراكية ذات الخصائص الصينية على ثلاثة عوامل : الطريق. المنظومة النظرية. نظام الاشتراكية.

1_ الطريق – هو الطريق الحتمي والوحيد لخلق حياة سعيدة للشعب. البناء الاقتصادي هو المركز، الذي يعتبر قاطرة للبناء السياسي والثقافي والاجتماعي، وبناء الحضارة الإيكولوجية. يعتمدون مبادئ سياسية أربعة للدولة الصينية، ويعتبرونها حجر الأساس السياسي لحياة الحزب والدولة وتطورهما، وهي :

– التمسك بالطريق الاشتراكي

– اعتماد الدكتاتورية الشعبية الديمقراطية

– القيادة للحزب الشيوعي الصيني

– الماركسية اللينينية، وأفكار ماو تسي تونغ

2_ المنظومة النظرية – تعتبر دليلاً للعمل. وتتضمن المنطلقات الأساسية لتصيين الماركسية. وتتضمن أفكار ماو تسي تونغ، والمنظومة النظرية للاشتراكية ذات الخصائص الصينية.

– أفكار ماو تسي تونغ. هي تلخيص سلسلة من التجارب المبتكرة والفريدة من نوعها للثورة الصينية. وممارسة البناء الذي قام به الشيوعيون الصينيون وفقاً للمبادئ الماركسية الأساسية. كما تشمل المبادئ النظرية، والمنظومة الفكرية العلمية حول الثورة والبناء في الصين.

– المنظومة النظرية

أ‌- نظرية دينغ شياو بينغ التي أجابت لأول مرة بصورة منهجية على كيفية بناء الاشتراكية في الصين المتخلفة اقتصادياً وثقافياً. وكيف بالإمكان تمتين الاشتراكية وتطويرها.

ب‌- التمثيلات الثلاثة. الذي أسسه الرئيس جيانغ تسه مين الذي اعتبر أن من واجبات الحزب أن يمثل دائماً مطلب تنمية القوى الإنتاجية المتقدمة في الصين، ويمثل اتجاه الثقافة المتقدمة الصينية، كما يمثل المصالح الأساسية للغالبية العظمى من الشعب الصيني.

ت‌- مفهوم التنمية العلمي. مؤسسه هو جين تاو. مطلبه التنمية الشاملة والمنسقة والمستدامة. ومحوره وضع الإنسان في المكان الأول، معتمداً أسلوباً جذرياً هو التخطيط والتنسيق.

ث‌- علاقتها بالماركسية اللينينية. يسمونها الثمار النظرية لتصيين الماركسية، التي تتفرع من أصل واحد هي والماركسية اللينينية، وتواكب العصر.

ج‌- علاقة التمسك بالإرث والتطوير والاختراع – لا يمكننا التخلي عن الماركسية اللينينية وأفكار ماو تسي تونغ وإلا ضاع منا أساسنا. وفي الوقت ذاته ينبغي علينا أن نتخذ المسائل الواقعية للإصلاح والانفتاح الصيني والتحديث. وما نقوم به حالياً هو التمسك بالمنظومة النظرية للاشتراكية ذات الخصائص الصينية، الذي هو في الوقت ذاته التمسك بالماركسية.

وفقاً لدستور الحزب الشيوعي الصيني المعدل من قبل المؤتمر الوطني السابع عشر عام 2017، يعتبر (الحزب الشيوعي الصيني طليعة الطبقة العاملة الصينية، وطليعة الشعب والأمة الصينية، والنواة القيادية لقضية الاشتراكية ذات الخصائص الصينية، ويتخذ من الماركسية اللينينية وأفكار ماو تسي تونغ ونظرية دنغ شياو بينغ وأفكار التمثيلات الثلاثة الهامة دليله المرشد في العمل. وهدفه النهائي تحقيق الشيوعية.

الطريق أمام الحزب الشيوعي الصيني لم تكن مفروشةً بالورود بل ولدت من رحم المعاناة وفي ظروف معقدة كانت كافية لأن تسحق مجتمعات مكتملة وتنقلها إلى حالة من اليأس والإحباط، لكن الحزب امتلك الإرادة والجرأة، فحرر العقل وهيأ المجتمع لمرحلة جديدة من النضال يشكل العمل بتفانٍ محورها. والأهم في هذه التجربة أن من يقف على رأسها ويقودها حزبٌ ما زال يحمل فكراً إنسانياً غنياً ستبقى عناوينه الأساسية صالحة اليوم وغداً لحل مشاكل الإنسانية وأسبابها المتمثلة بالجشع والتوحش والقهر والعدوان.

هناك تساؤلات عدة حول التجربة الصينية، وجدواها في بناء الاشتراكية. وهل اقتصاد السوق الاشتراكي بناء اشتراكي؟ كيف يمكن الجمع بين اقتصاد السوق والاقتصاد الموجه، ومنع تشكل طبقة رأسمالية نقيضة؟

هنا يقع على عاتق الشيوعيين مهمة صعبة، وهي كيف يفهمون الاشتراكية كأفكار ومبادئ عامة، وكيف يفهمونها في ظروف بلدانهم بالذات. وهل يجب التعامل مع الفكر الماركسي بجمود عقائدي، لا يقبل التفسير أو الاجتهاد أو المرونة.

كتب ماركس عام 1844: (يجب علينا أن نتجنب تقديم أنفسنا للعالم بصورة دوغمائية، علينا أن نطور للعالم مبادئ جديدة انطلاقاً من مبادئه القديمة). وفي مكان آخر يقول: إن القوانين العامة للتطور تتغير بتبدل الظروف التاريخية، كما أن الحقيقة تكتسب مضموناً جديداً مع تبدل هذه الظروف.

الثورة الصينية بكل منجزاتها وإخفاقاتها تشكل اليوم أحد عناوين الصراع الفكري والسياسي داخل الحركة الشيوعية العالمية. فما أنتجته هذه التجربة الثورية العظيمة من نجاحات على مستوى التنظيم والاقتصاد والسياسة يشكل اليوم إرثاً لا غنى عنه لجميع الشيوعيين.

مجموعة من الأسباب ساهمت في هذا النجاح يأتي في مقدمتها أن الحزب الشيوعي الصيني لم يضع نفسه في قوالب جامدة ولم يعتبر الماركسية اللينينية نصوصاً جامدة، بل أدوات استرشادية مساعدة تتغير مضامينها بين مرحلة وأخرى. لقد أعطى الحزب لنفسه حق التفكير المنفتح المتحرر من كل القيود، الأمر الذي مكنه من تطبيق تطويرات جديدة، وامتلك الجرأة في طرح تصورات لقضايا، ما زالت تعتبر ثوابت وخطوطاً حمراء لا يمكن أن تمس.

هناك عنوان آخر رفع الحزب الشيوعي الصيني رايته ونجح في التطبيق، وما زال يشكل تحدياً كبيراً له، وهو عنوان (الإصلاح) الذي تفرضه طبيعة الحياة ومسارات التغيير، بينما الجمود الفكري والسياسي والتنظيمي لا يقود سوى إلى التخلف، ويشكل عقبة أمام حالات التطور التي تشهدها المجتمعات.

تجارب التاريخ في مساراته المختلفة تؤكد: إن لم تأت مبادرات الإصلاح والتغيير من داخل المجتمعات، فإن ثقل المعاناة سيأتي بها من الخارج نتيجة اتساع الهوة بين القيادة والشعب. وقد كانت القيادة الصينية ذات بصيرة عندما أدركت هذه المسألة في وقت مبكر، فأتى الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي بمبادرة منها وبإشراف مباشر من الحزب الشيوعي. في رسالة مزدوجة إلى الحزب وجمهوره وإلى المستثمرين بجدية سعيها نحو التنمية الاقتصادية وتحسين الكفاءة والإصلاح.

جميع هذه المبادرات نقلت الصين إلى دولة منافسة اقتصادياً في الأسواق الخارجية. اليوم تختلف النظرة إلى التجربة الصينية بمختلف عناوينها السياسية والاقتصادية من شخص إلى آخر وفقاً للخلفية الفكرية والإيديولوجية التي يتم الانطلاق منها. فإن كان المعيار هو مدى الاقتراب من النموذج الاشتراكي الذي كان معمولاً به في الاتحاد السوفياتي بدءاً من عام 1917 فإن الاستخلاص سيقودنا إلى أن ما حصل في الصين هو عودة وتراجع نحو الرأسمالية. أما إذا كان المقياس هو مدى التزام الحزب الشيوعي الصيني بالماركسية كنظرية ومنهج في تحليل الواقع الاجتماعي ودليل استرشادي للعمل، فبالإمكان الاستنتاج أن الحزب الشيوعي ما زال ملتزماً بالماركسية وبتطبيقات تستوعب وتراعي الظروف الخاصة للصين. التي لا تتشابه مع ظروف أي بلد آخر، انطلاقاً من الواقع التاريخي الموروث، والشرط الموضوعي السائد (بما فيه وخاصة تطور القوى المنتجة) ونظراً للخصائص الحضارية التي تتميز بها دولة كالصين.

العدد 937 - 25/11/2020