رسالة مبطنة إلى الصين

د. صياح عزام:

في الآونة الأخيرة صعّدت الولايات المتحدة الأمريكية حدة التوتر مع الصين، وذلك بقيام وزير الصحة الأمريكي أليكس عازار بزيارة إلى تايوان في خطوة غير مسبوقة منذ أكثر من أربعين عاماً.

قد يكون لهذه الزيارة المشبوهة تداعيات سيئة على مستقبل العلاقة بين البلدين في ظل التصعيد الأمريكي ضد الصين على كل الصعد والمستويات، والذي يحمل معه نذر صراع مسلح واسع له عواقب مخيفة، وإن كان احتمال وقوعه مازال بعيداً.

الهدف الأمريكي المعلن من الزيارة تقديم الشكر لسلطات تاييبه عاصمة تايوان على حسن التعامل مع جائحة كورونا ونجاحها في التصدي لها ومكافحتها بأقل الخسائر.

ولكن في حقيقة الأمر، فالزيارة بحد ذاتها وفي التوقيت الذي نفذت فيه تعد خطوة استفزازية في مسلسل التصعيد الأمريكي المتواصل ضد الصين، وتحمل عدة رسائل مبطنة إلى الصين التي تتهمها إدارة دونالد ترامب بالمسؤولية عن انتشار فايروس كورونا.

الجدير بالذكر أن بكين حذرت مبكراً من هذه الزيارة، واصفة وصول المسؤول الأمريكي إلى تايوان بأنه يشكل تهديداً واضحاً للأمن والاستقرار، ولاسيما في هذا التوقيت، حيث وصل التجاذب أشده بين القوتين الدوليتين بشأن هونغ كونغ، وبعد يوم واحد من فرض واشنطن عقوبات على أحد عشر قائداً من هونغ كونغ المستعمرة البريطانية السابقة، بينهم رئيسة السلطة التنفيذية كادي لام، ضمن سلسلة من الإجراءات بدأت الولايات المتحدة اتخاذها منذ إعلان بكين قانون الأمن القومي الذي تعده الصين (وهي على حق في ذلك) إنه ضروري لوقف التدخلات الأمريكية والغربية في شؤون هونغ كونغ الداخلية (سحب هذه الورقة من أيدي أعداء الصين).

وهكذا يتضح بجلاء أن العقوبات الأمريكية على أحد عشر مسؤولاً في هونغ كونغ، وزيارة وزير الصحة الأمريكي عازار إلى تايبيه والتدابير الصرمة التي تتخذها إدارة ترامب ضد تطبيقي (تيك توك) و(ي تشات).. كلها تأتي بمنزلة حلقات من طوق تحاول واشنطن لفه حول عنق بكين، إضافة إلى الحرب الدبلوماسية التي يشنها وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو على الحزب الشيوعي الصيني، والتي تدعي من خلالها، أنه يشكل تهديداً للعالم أجمع، مستحضراً في ادعاءاته هذه بعض أدبيات حملات الافتراء المعروفة في أيام المواجهة مع الاتحاد السوفييتي السابق، على الرغم من المناخ الدولي المختلف، وتغيّر معايير الصراعات وأدواتها وأساليبها.

لا شك بأن المواجهة التي تفتعلها وتصّعدها واشنطن مع بكين ونتائجها أيضاً، لن تكون كما كانت الحال في موسكو، ففي الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة استنفار حلفائها وزجهم إلى جانبها في هذه المواجهة مع الصين، وتجميع مختلف أنواع الأسلحة بما فيها الحربية، يبدو أن خطابها هذا وسياستها هذه يفتقدان الجاذبية والموضوعية، ولا يلاقيان الحماس المطلوب من الحلفاء، وذلك لعدة أسباب، أهمها أن المعركة الدائرة بالأساس هي معركة اقتصادية، ومازالت في مراحل جس النبض وتبادل الضغوط والعقوبات التي يفترض أن تؤدي في نهاية المطاف إلى التوصل لاتفاق يفضي إلى مراعاته كل طرف لمصالح الطرف الآخر، واعتراف كل دولة منها ولاسيما الولايات المتحدة بحقوق الصين وحدودها ومجالاتها الجوية، هذا طبعاً مشروط قبل كل شيء بألا تفقد إدارة ترامب عقلها وتلجأ إلى المغامرات غير محسوبة النتائج، متجاوزة الخطوط الحمراء الملتهبة، وهذا أمر محتمل ومطروح في ظل هيجان وعدم تعقل ترامب وبحثه عن أي وسيلة للحصول على ولاية رئاسية ثانية.

أخيراً يجب على إدارة ترامب الكف عن تأجيج التوتر والبحث في أرشيف الصراعات القديمة، فالعالم يتغير، وإعادة بناء نظام دولي جديد أصبح مطلباً يتنامى منذ ثلاثين عاماً بعد فشل نظام القطب الواحد.

العدد 932 - 21/10/2020