الحرب (السيبرانية)

ريم الحسين:

تصاعد في الفترة الأخيرة الحديث عن الحرب السيبرانية بين الدول كنموذج محدث وجديد لحروب العصر، بعد تعذر الحرب العسكرية في أغلب الأحيان أو كداعم حقيقي ومؤثر لها، وعدم القدرة على المواجهة المباشرة واستنزاف الجيوش، إضافة إلى تطور أساليب الحروب الحديثة عن التقليدية، في محاولة لتكبيد الخصم أكبر خسائر دون دفع تكاليف باهظة في العتاد والأرواح كما في حالة الحرب العسكرية التي أخذت طابع الاستعانة بالمرتزقة في الفترة الأخيرة.

وعادة هذا النوع من الحروب لا يُعترف به بشكل علني ولا تبنّي المسؤولية عنه إلا في حالات نادرة أو عن طريق تسريبات بعد عدة سنوات، فمثلاً صحيفة (واشنطن بوست) ذكرت مؤخراً أن ترامب اعترف للمرة الأولى أنه أمر بهجوم سيبراني سرّي على روسيا عام 2018، فيما يبقى الكثير من هذه الهجمات سرياً عن التصريح والإعلام، وتُعزى الهجمات على منشآت الطاقة الإيرانية المكثفة في الفترة الأخيرة لهذا النوع من الحروب، إضافة إلى الكثير من الهجمات السابقة في عدة دول، وتعتبر الولايات المتحدة والصين وروسيا والكيان الصهيوني ومؤخراً إيران وكوريا الشمالية رائدة في مجال هذه الحروب متى تسنت الفرصة لشن هجمات سيبرانية على الخصم والعدو.

وتعرّف الحرب السيبرانية بأنها (التغلغل بشبكات الحواسيب في دولة، عبر شبكات الإنترنت والحواسيب التابعة لدولة أخرى أو منظمة ما)، وتوصف الأنشطة الجارية في هذا الخصوص، بـ (الهجوم السيبراني).

وتجري الهجمات السيبرانية بين الدول لثلاثة أغراض رئيسية، هي: (التجسّس، والتخريب، والتلاعب).

وقد ظهرت الحرب السيبرانية كأداة من أدوات الجيل الخامس للحروب، ولها عدة أساليب وأشكال وأنواع وتتم بعدة طرق وعلى عدة مستويات.

الحروب الحديثة تعتمد على الفضاء الإلكتروني بما أنه أصبح عصب الدول ومحرّكها، وأخطر هذه الهجمات المرتبط بتخريب بشبكات البنى التحتية، فعندما تتعرض الحواسيب أو الشبكات التابعة لدولة ما لهجوم أو اختراق أو إعاقة، قد يجعل هذا الأمر المدنيين عرضة لخطر الحرمان من الاحتياجات الأساسية مثل مياه الشرب والرعاية الطبية والكهرباء وغيرها.

 وتطورت هذه الحروب بحيث يمكن التخريب حتى ولو لم تكن الأجهزة متصلة بشبكة الإنترنت، وقد سجلت عشرات من هذه الهجمات المتبادلة بين الاحتلال الاسرائيلي وإيران، ربما أشهرها عندما تواترت الأنباء عام ٢٠١٠ عن هجوم مركز ومعقد وخطر أصاب البنية الرقمية للبرنامج النووي الإيراني. وقد أشير إلى هذا الهجوم باسم Stuxnet الذي يُعتقد أن تطويره استغرق عدة سنوات واتُهمت الولايات المتحدة بالوقوف وراءه. وقد اتهم البعض في أمريكا الروس بأنهم تلاعبوا بنتيجة الانتخابات الأمريكية الأخيرة عن طريق هذا النوع من الهجمات، وهذه أمثلة عن مئات التكهنات والهجمات لأن الخصم قد لا يستطيع تحديد ما إذا تعرض لهجمة أو الجهة المنفذة التي تقف وراء هذه القرصنة.

تكنولوجيا المعلومات والاتصالات أصبحت جزءاً لا يتجزأ من هيكلية وتركيبة كل القطاعات والمؤسسات المكونة للدول، والحرب السيبرانية هي الأداة الأحدث والأقل تكلفة ودموية والأكثر تأثيراً وخراباً، ولذلك يعتبر الأمن السيبراني أهم جانب من الأمن القومي للدول في العصر الحديث.

العدد 922 - 12/08/2020