الشيوعي القدوة – الرفيق الراحل فضل الله عبد الدين نموذجاً

  سيف الدين القنطار – باريس:

يسهل على المرء الانضواء في الحزب الشيوعي، فالنظام الداخلي لا يطلب ممّن يرغب بذلك سوى أن ينضمّ إلى إحدى الفرق الحزبية، وأن يسهم في دفع اشتراكاته المالية، وأن يعمل على نشر سياسية الحزب بين الناس، ولكن سرعان ما يتبين له أن الانتماء إلى الحزب أبعد من ذلك، وله من المتطلبات الكثير الكثير، وهو يضع على كاهل المرء كي يكتسب المزايا والسمات الشيوعية  أعباء وأعباء، فعليه أن يسهر الليالي ليحمل بجدارة لقب عضو الحزب، ويصبح  قدوة، ومن أجل ذلك  لا بد أن يكتسب العديد من القيم والسمات، وفي مقدمتها الأخلاق الشيوعية وقوامها مناهضة الاستغلال، ومقاومة ظلم الإنسان لأخيه، وامتلاك البعد الإنساني القائم على المحبة، والتحلي بأخلاقيات العمل التي تتجسد في النزاهة، والحماسة، وعدم التراخي أو الكسل، والانحياز إلى أناس العمل والشغيلة والكادحين عموماً  بسواعدهم وأدمغتهم، ولا بد له أيضاً من تجسيد التربية الشيوعية الرفيعة، وتتمثل هذه التربية قبل كل شيء في سلوك عملي يعزّز من مكانة الشيوعي في دوائر عدة، تبدأ من دائرة الأسرة وتتجلى في موقفه التقدمي أولاً من المرأة، وأفراد الأسرة كلها، وتنتقل إلى موقفه من سكّان حيّه، أو قريته، أو مدينته ثانياً، ثم يتلو ذلك موقفه من الرفاق في الحزب ومن الناس عامة في ميدان عمله  ثالثاً، ويأتي بعدها موقفه من وطنه وسكانه، وأرضه، وسمائه ، وأخيراً في موقفه الأممي من البشرية كلها،  فالشيوعي لا يمكن أن يكون أممياً إلا إذا كان وطنياً، ولا يمكن أن يكون وطنياً ما لم يحظَ  بتقدير أهله، ورفاقه، وسكان حيّه، وقريته، أو مدينته، وهكذا يكتشف المرء أن الحزب مدرسة لبلورة الشخصية وتزويدها بالثقافة، والمعارف، والتأهيل التربوي،  والأخلاقي، وحب العمل، والناس، وكما تجد أن ثمة فروقاً بين الطلاب في المدرسة، تتجلى بتفاوت قدراتهم على كسب المعارف بعضها أو  كلها، كذلك ثمة فروق في الحزب، بين قدرات هذا الرفيق أو ذاك على التحلي بالقيم الشيوعية التي تجعله قدوة. وهذا ما يدعونا إلى التذكير بـ / والحديث عن/ الرفاق الذين كانوا في الطليعة، وجمعوا من المناقب والمزايا والقيم أكثر من غيرهم.

   الرفيق الراحل فضل الله عبد الدين، ابن منظمة الحزب في السويداء، والمنحدر من أسرة شعبيه فقيرة، كان من بين هؤلاء، فلقد انتسب إلى الحزب منذ فجر صباه، وكان يومذاك عاملاً في مديرية كهرباء السويداء، وراح ينهل من المعارف الماركسية التي لاقت هوى في نفسه، ووجد أنها تأخذ بيد الطبقة العاملة، التي ينتمي إليها، وحاول منذ البداية أن يهتدي بهذه المعارف في سلوكه العملي، وتجلى ذلك في إقدامه على خدمة الناس بحمية، وبنزاهة، دون منّة، وسرعان ما أصبح قدوة لزملائه الذين أحبوه، وانتخبوه من بين صفوفهم ممثلاً لهم في نقابتهم، ومن ثم انتُخب إلى مجلس اتحاد عمال السويداء، وتقديراً له على المستوى الشعبي تم انتخابه عضواً في مجلس مدينة السويداء للإدارة المحلية، وأصبح فيما بعد عضو المكتب التنفيذي للاتحاد المهني لعمال الكهرباء في سورية،  وفي الوطن العربي ، ويتحدث كل الذين رافقوه في كل الميادين، وشاركوه نشاطه في رحلاته النقابية العديدة داخل سورية وخارجها، أنه كان قدوة ومثالاً يحتذى في صدقه، وحرارة قلبه، وتفانيه في الدفاع قولاً وعملاً عن حقوق عمال محافظته، وبعد ذلك عمال وطنه، ومن ثم العمال العرب.

 وعلى الصعيد الحزبي، كان الرفيق فضل الله يمتلك القدرة على التعلم باستمرار، فإلى جانب حصوله على شهادة الحقوق من جامعة دمشق، كان يتعلم من التجربة ومن الحياة، فتعلّم التواضع وكان متفرّداً بتواضعه، الذي استند إلى ثقة كبيرة بالنفس، واقترن هذا التواضع بنكران ذات جسد على الدوام الإيثار، والنخوة الحزبية، والإقدام على تنفيذ المهام الحزبية دون منة، ودون تردد. وتعلم التعفف وقد تجلى هذا التعفف في عدم السعي إلى التزعم، ولذلك كان لا يسعى إلى الموقع الحزبي بل يسعى الموقع إليه، وكان الرفاق يرغمونه على ذلك، فيستجيب لرغباتهم،  لقد انتخبوه إلى قيادة فرعية منظمة مدينة السويداء في البداية، ثم انتخبوه عضواً في اللجنة المنطقية، وبعد ذلك أصبح سكرتيراً لمنظمة الحزب في المحافظة، وعضواً في فرع الجبهة الوطنية التقدمية، ثم عضواً في اللجنة المركزية للحزب، وفي جميع هذه المواقع كان الرفيق فضل الله لا يتكلم إلا حين يرى أنه لا بد من الكلام، وما كان ينطق عن الهوى، بل ينبعث كلامه من عقله الهادئ وقلبه الحار، مفعماً بقوة المنطق وسلامة الحجة، وتقدير السامعين. ولقد حافظ حتى فارق اللحظة الأخيرة من حياته على الرؤية الحزبية المتزنة والمتكاملة، والتي تستند إلى سياسة الحزب، وقد أضاف إليها حرارة أحاسيسه وأفكاره، وأغناها بفكره وبجرأته في قول الحقيقة ليس غير، وطالما كرّر امام المسؤولين في المواقع الحزبية والجبهوية إيمانه، وقناعته بأهمية بناء الدولة المدنية القائمة على التعددية وتداول السلطة، بدلاً من  البنية السياسية الراهنة ، القائمة على الاستئثار،  ودعا إلى  توزيع الثروة الوطنية توزيعاً عادلاً،  ينال فيه العاملون بسواعدهم في الحقول والمزارع ما يستحقونه، مقابل عرقهم، وجهدهم، وحذر من مخاطر قوى الفساد والنهب، ودعا إلى نزع أنياب وحوش الاقتصاد، أولئك الذين يجمعون الملايين والمليارات ويسهمون في تجويع الشعب، وأكل لحمه، وكان يؤكد على الدوام أنه عدو للحروب ومشعليها، وظل يتطلع إلى اللحظة التي يسود فيها السلام في وطنه وقد تحرر من كل الطامعين به، وظل يأمل أن يعم الأمن في ربوع وطنه الممزق الذي أحبه، وأن يسوده الاستقرار من جنوبه إلى شماله ومن شرقه إلى غربه. لقد رحل الرفيق فضل الله وترك كرسيّه في منظمته، التي كانت بأشد الحاجة إليه، لمن بعده، رحل وحزن على رحيله أبناء محافظة بكاملها، وكذلك جميع الرفاق السوريين الذين عرفوه، وقد ألقى برحيله على هؤلاء الرفاق الذين أحبهم جميعاً، في محافظته وفي حزبه، مسؤولية الاهتداء بالمناقب والقيم الشيوعية، التي آمن بها، ومثّلها خير تمثيل، وليكونوا قدوة للأجيال القادمة من أبناء وطنهم.  

العدد 922 - 12/08/2020