محور المقاومة.. الانتقال من الدفاع إلى الهجوم وتغيير قواعد اللعبة

محمد علي شعبان:

حالة القلق وعدم الاستقرار، التي تخيّم على الأجواء في العالم بشكل عام، وعلى منطقتنا العربية بشكل خاص، تحمل معها مؤشرات خطيرة على الشعوب، وعلى الحكومات، ما لم تبادر لتغيير قواعد اللعبة الكونية.

منذ تفكيك الاتحاد السوفيتي في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، أصبحت البشرية حقل تجارب بيد الإدارات الأمريكية المتعاقبة. فقد ساهمت هذه الغدارات في تغيير أنظمة الحكم في العديد من البلدان، وأشعلت الحروب، وفرضت الحصار، والعقوبات، على العديد من الدول، وسرقت خيرات البلدان التي احتلتها، أو غيّرت أنظمة الحكم فيها، بما ينسجم مع مصلحتها.

لكنها لم تستطع أو لا ترغب بتأمين حالة استقرار واحدة في العالم، باستثناء حالة الكيان الصهيوني، فهي تعمل كل ما بوسعها من أجل أمنه واستقراره.

وقد بذلت جهداً كبيراً لخلق حالة استقرار في الكيان الصهيوني، إلا أنها فشلت.

فهل يحق لنا السؤال: لماذا فشلت الإدارة الأمريكية في تحقيق أمن الكيان الصهيوني واستقراره؟

جميعنا يعرف أن الإدارة الأمريكية استخدمت أدوات الهدم في مشروع بناء أمن الكيان واستقراره.

واستنهضت الأطر المتخلّفة من التاريخ، وأحيت مفردات لا يمكن لها أن تصلح في مشاريع البناء.

لقد صدّرت الديمقراطية بمفردات المكوّنات الطائفية والمذهبية، التي لا تسمح للديمقراطية بالحياة.

لقد ألغت الخطاب الحضاري الإنساني الجامع، الذي كان يتشكل في العديد من البلدان، وأحلّت محلّه خطاب جورج بوش الابن، الذي قال: (من ليس معنا فهو ضدنا)، فهل ستنجح؟! بالتأكيد لا!

هل سأل الساسة الأمريكان أنفسهم، أن خطاباً كهذا هل يحقق الاندماج والأمان والاستقرار، أو يتحول إلى قنابل موقوتة، متنوعة الشدة، قد تنفجر في أي وقت، ولا يمكن السيطرة على تداعياتها.

إن السلوك اﻷرعن للإدارة الأمريكية قد جعل من كوريا الشمالية دولة نووية قادرة على إذلال أمريكا متى تشاء.

وجعل من كوبا قلعة حضارية وإنسانية ظهرت في أزمة كورونا.

وجعلت من إيران قوة عظمى في القارة الآسيوية، تشكل تهديداً حقيقياً للمصالح الأمريكية المنتشرة في البحر والبر.

هذه كانت إنجازات الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد.

لقد أصبح المواطن الأمريكي مكروهاً في العديد من البلدان، وجاء السيد ترامب فأكمل إظهار الوجه الأقبح للإدارة الأمريكية، بعد إلغاء الدعم عن الأونروا، وتبنّيه لصفقة القرن، واعترافه بسيادة الكيان على القدس والجولان المحتل، واعتبار القدس عاصمة للكيان الصهيوني، ضارباً عرض الحائط بجميع المواثيق والقرارات الدولية التي تؤكد حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على أرضه وعاصمتها القدس، وتؤكد أن الجولان أرض عربية سورية، وترفض أية محاولة للمساس بها.

وفي ظل الصراعات الدولية والإقليمية، ماذا تنتظر الإدارة الأمريكية من شعوب المنطقة وخاصة الشعب الفلسطيني، والشعب السوري، والشعب اللبناني؟ في ظل انحيازها الكامل للكيان الصهيوني، وتدخّلها السافر في الشؤون الداخلية لهذه البلدان؟

وماذا تنتظر من الشعب الأردني الذي شرب العلقم منذ اتفاقية وادي عربة؟!

أعتقد أنه ليس بمقدور هذه الشعوب تحمّل الحصار الجائر، والتدخل السافر، وهي تراكم الاحتقانات والخذلان من الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

ومن يستطيع إلغاء القانون الفيزيائي الذي ينص على أن الضغط يولّد الانفجار؟ رغم قناعتي الشديدة أن الانفجار من مصلحة الشعوب مهما حاولت قوى العدوان استيعابه، فمن لا يملك شيئا لن يخسر شيئاً.

إن استمرار الحصار الجائر والأزمة الاقتصادية الخانقة، لا يمكن حلها بانتظار رغبة صانعيها في حلّها.

إن انتشار القواعد الأمريكية في العديد من دول المنطقة، المترافق بنشاط دبلوماسي، تدخلي وتحريضي في شؤون الدول الداخلية، يقوم على الفتن، وتقوية جهة على أخرى، ليس مقبولاً ولا يجوز السكوت عنه.

وفي ظل القلق الذي تعيشه الإدارة الأمريكية، بعد انتشار فيروس كورونا، والمظاهرات والاحتجاجات التي عمّت الشوارع، على السياسة العنصرية التي تمارسها سياسة ترامب ضد المواطنين السود من جهة،

والتحديات الصينية الاقتصادية للإدارة الأمريكية من جهة ثانية، تبدو إدارة ترامب في أضعف حالاتها، وهي على أبواب انتخابات، قد تفضي لتغييرات جذرية في سياسة الإدارة، فيما لو توسعت حلقة التحديات التي تجعل الإدارة في حالة قلق، كما جعلت العالم قلقاً منذ ثلث قرن من الزمن.

في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، التي يعيشها الشعب السوري، واللبناني، بسبب الحصار والعقوبات الاقتصادية الأمريكية والأوربية، ماذا يخسر السوريون لو تشكلت مقاومة شعبية في أماكن وجود القوات الأمريكية؟! وهل ننتظر من عدونا التاريخي أن يتراجع عن حصارنا طوعاً؟

إن إخراج القوات الأمريكية من الأراضي السورية، يمهد الطريق سريعاً لإعادة الحسابات عند قوات (قسد) التي تعيش حالة من التلفيق والقلق داخل صفوفها، ويجعلها مضطرة للتفاهم والاندماج مع الجيش السوري، والعمل معاً على فتح العديد من الجبهات، ضد القوات التركية المنتشرة في العديد من المواقع.

إن إخراج القوات الأمريكية من المنطقة يفتح الأبواب واسعاً أمام العديد من التفاهمات، داخل الإقليم. ومن يتابع التطورات، يكتشف أن الوقت مناسبٌ جداً لفتح ثلاث جبهات في وقت واحد، في كل من سورية، والعراق، ولبنان، ضد القوات الأمريكية، التي ستعطي الضوء الأخضر للكيان الصهيوني بقصف بعض المواقع، في سورية، لتبدأ المعركة الحقيقية الحاسمة التي ستغيّر قواعد الاشتباك في المنطقة والعالم.

ماذا لو استقبل العرب السنة القادمة بعدد من الحروب بخيارهم، من أجل تحديد مستقبلهم على الكوكب؟!

لقد عاشوا نصف قرن من الحروب التي فُرضت عليهم من قبل أعدائهم،

ولن يخسروا أكثر مما خسروا.

إن تغيير قواعد اللعبة يقتضي تغيير قواعد الاشتباك، والانتظار ليس من مصلحة شعوب المنطقة.

إنه الوقت المناسب، لانطلاق انتفاضة عارمة في كل من فلسطين المحتلة، والأردن، احتجاجاً على قرار الضم وصفقة القرن.

والوقت مناسبٌ أيضاً لانطلاق مقاومة شعبية ضد الاحتلال الامريكي المنتشر على الأراضي السورية.

يترافق ذلك مع تصعيد عراقي باتجاه مغادرة القوات الأمريكية من العراق.

إن تغيير قواعد اللعبة لا يمكن تحقيقه بالرغبات والتمنيات، بل بالانتقال من الدفاع الدائم إلى الهجوم، وهذا يؤدي إلى تغيير جوهري وحقيقي في الكثير من الأشياء، وأنا على ثقة تامة أن الانتقال للهجوم سيغيّر شكل الاصطفاف وطبيعته، على مستوى العالم.

إن العنجهية والصلف الأمريكي لا يمكن كسرهما بالمزيد من الرضوخ والطاعة، ولكن العمليات النوعية الموجعة، وحدها، هي الكفيلة بإخراج القوات المحتلة من بلادنا، وللجيش السوري تجربة هامة في هذا الصدد.

إن إخراج المارينز وهزيمته من لبنان، يؤكدان أن المقاومة وحدها هي التي تغيّر المعادلة، وليس الصمت.

العدد 922 - 12/08/2020