أطماع أردوغان تمتد إلى أبعد من ليبيا؟!

د. صياح عزام:

بات من الواضح أن أهداف أردوغان من تدخله السافر في ليبيا هي نهب ثرواتها، وفرض الوصاية عليها، والتمكين لعصابة الإخوان المسلمين، والعمل على نشر ورعاية الإرهاب في شمال إفريقيا والاستثمار في ذلك.

لقد وصلت به الوقاحة إلى درجة التباهي، في لقاء القمة الذي عقده في القصر الرئاسي بأنقرة، مع عميله وتابعه فايز السراج (رئيس ما تسمى حكومة الوفاق الليبية) يوم الرابع من شهر حزيران الجاري، بعد تمكّن قواته من تحقيق بعض الانتصارات التكتيكية حول طرابلس وإنهاء الحصار الذي كانت تفرضه عليها قوات المشير خليفة حفتر، وكأن بالسلطان العثماني السلجوقي يعلن انتصاره النهائي في الحرب الدائرة في ليبيا منذ تسع سنوات، والتي بالأساس لعب شخصياً دوراً كبيراً في إيقاد أوارها واستمرارها.

سبق ذلك الاستيلاء على قاعدة الوطية الاستراتيجية، ولاحقاً على مدينة ترهونة التي هرب سكانها منها خوفاً من انتقام مرتزقة أردوغان الذين أرسلهم تباعاً إلى ليبيا ليساندوا ميليشيات حكومة الوفاق، كما أرسل أسراباً من الطائرات الحديثة المسيرة وأسلحة ثقيلة أخرى ساهمت في قلب موازين القوى لصالح السراج وزمرته، حتى إنه أرسل جنوداً أتراكاً ارتدوا زيّ ميليشيات الوفاق للتمويه.

إضافة إلى أهداف أردوغان التي جئنا على ذكرها في بداية الحديث، أصبح من المؤكد أن خطوته القادمة ستكون التقدم نحو الهلال النفطي ناحية الشرق، كما تفيد الوقائع وتوقعات العديد من المحللين السياسيين والعسكريين المتابعين للشأن الليبي، فقد أعلن أردوغان أنه سيحارب اتفاقيات النفط التي أبرمها حفتر مع بعض الأطراف الخارجية، كما يهدف إلى إيجاد موطئ قدم له في ليبيا للتدخل في مصر مستقبلاً، وربما في دول عربية أخرى والعديد من الدول الإفريقية انطلاقاً من ليبيا، كما سبق أن تدخل وما يزال في سورية والعراق، وهو يزعم أن حلب والموصل ولايتان تركيتان عثمانيتان، وأن أجداده السلاطين أوصوا بليبيا كدولة مهمة بالنسبة لتركيا.

وفي تقرير لصحيفة (الغارديان) البريطانية اعتبرت أن تركيا ترتكب مغامرة خطيرة في ليبيا، وأن التدخل التركي فيها لا يحظى بأي تأييد شعبي لا في ليبيا ولا في تركيا، ولا في الدول العربية والإسلامية، كما أن تركيا باتت معزولة لا تحظى بأي احترام من جيرانها ومن الدول الأوربية، الأمر الذي أجبرها على إعادة تنشيط علاقاتها مع إسرائيل، وأكدت الصحيفة أيضاً أن أردوغان يقوم بإرسال آلاف المرتزقة من الذين قاتلوا في سورية إلى مناطق الصراع في ليبيا، التي تبعد حوالي 2000 كم عن الحدود التركية.

ويحاول السلطان السلجوقي مغازلة واشنطن من خلال تقوية العلاقة مع إسرائيل، فقد هبطت أول طائرة تابعة لشركة العال الإسرائيلية على الأراضي التركية يوم 24 أيار 2020، وذلك للمرة الأولى منذ عشر سنوات، بعد الخلاف الدبلوماسي الشكلي بين البلدين إثر أزمة سفينة مرمرة، مع العلم بأن العلاقات التركية_ الإسرائيلية اقتصادياً وعسكرياً لم تنقطع إطلاقاً.

ولكن على الرغم من كل ذلك، من السابق لأوانه أن يشعر السلطان السلجوقي بأنه انتصر في ليبيا، فروسيا أرسلت سربين من طائرات ميغ 29 وسوخوي 21 إلى ليبيا، وهي لاعب مهم هناك، كما أن نائب رئيس ما تسمى حكومة الوفاق زار موسكو وبصحبته وزير الخارجية حاملين معهما عرضاً مغرياً لموسكو يحفظ مصالحها في ليبيا، كما أشارت إلى ذلك تقارير مسربة حول هذا الموضوع، ويضمن حق الشركات الروسية في المشاركة بمشاريع البنى التحتية والتنقيب عن النفط وغيرها.

باختصار، العارفون بالشأن الروسي يدركون أن الرئيس بوتين لا يرضخ لسياسة الأمر الواقع التي يحاول أردوغان فرضها بالقوة، في ليبيا، على الأطراف الفاعلة في الصراع، لذلك يقدّر كثيرون أن الصراع في ليبيا سيستمر، وأن أردوغان كما أشرنا قبل قليل لن يستطيع التوهم طويلاً بأنه حقق انتصاراً كبيراً هناك.

العدد 917 - 1/07/2020