الصين وفخ ثوسيديديس!

ريم الحسين:

تستمر التصرفات والتصريحات الأمريكية المعادية للصين في كل يوم، ذلك أن المتابع للأحداث الدولية والتحليلات السياسية والاقتصادية يجد أن هذا الملف يتصدر كل الملفات، والبعض بدأ فعلاً بالترويج للحرب القادمة بين البلدين.

هذه الحرب تختلف أساليبها، بحسب هذه التحليلات، لكنها بنظر الغالبية هي حرب حتمية. وبغض النظر عن الموقف هنا أو هناك وقدرة الردع لدى الطرفين وميزان القوة، لكن الإجماع على أنها ذات نتائج كارثية في كل العالم مهما كانت الطرق المتبعة فيها.

العداء الأمريكي للصين لم يتوقف لحظة منذ صعود الصين كقوة عظمى على الساحة الدولية، ويجري استغلال جائحة كورونا للتعبير عنه بضراوة، وآخرها عودة التضييق على شركة هواوي مرة أخرى، والحديث عن عقوبات جديدة تريد أمريكا فرضها على الصين بحجة الوباء.

ومهما كثرت الأسباب لكن تبقى عدائية الأمريكي مردّها الأساس قوة الصين الحالية المتصاعدة والمرتقبة خلال سنوات قليلة قادمة، وخوفه على استئثاره بالعالم كملكية خاصة، وربما أكثر من يوضح هذا السبب هو البروفيسور في جامعة هارفرد غراهام أليسون، الذي يتحدث عن العلاقة بين الصين والولايات المتحدة، وأن الحرب قادمة لامحالة إذا لم يتجنب الطرفان هذه الكارثة، ويمكننا قياس نظريته في كتابه (Destined for War: Can America and China Escape Thucydides’s Trap?((الاتجاه نحو الحرب: هل يمكن لأمريكا والصين أن يهربا من فخ ثوسيديدس؟) على هذا السبب الحقيقي، الكتاب يناقش فيه طبيعة الصراع بين قوة صاعدة وقوة قائمة، بطريقة لا تبتعد كثيراً عن فكرة (صدام الحضارات) التي روج لها صامويل هنتنغتون في كتابه (صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي)، وجوهرها حتمية الصراع.

ما هو (فخ ثوسيديدس)، الذي أشار إليه الرئيس شي جين بينغ في كلمة له بالمؤتمر المركزي للعمل الاقتصادي في الثامن عشر من كانون الأول عام 2015؟

ثوسيديدس مؤرخ يوناني، كتب تاريخ الحرب بين إسبارطة وأثينا في القرن الخامس قبل الميلاد، ذلك أن ظهور أثينا كقوة بعد تربّع إسبارطة على ميزان القوة كان السبب المباشر للحرب، وأعطى فيه للعوامل الاجتماعية والاقتصادية الدور الأكبر في نشوء الصدامات العسكرية، وخلص إلى نظرية مفادها أنه مع وجود قوة مهيمنة، فإن نشوء قوة صاعدة سيؤدي لا محالة إلى حرب طاحنة بين القوتين:

 (عندما تهدد إحدى القوى العظمى بإزاحة قوة عظمى أخرى تكون الحرب بينهما حتمية).

رصد جراهام مع عدد من طلابه هذه النظرية في التاريخ على مدار خمسة قرون، فوثّقوا ١٦ علاقة صراع انتهت ١٢ منها إلى حروب بين قوة قائمة وقوة صاعدة كالحرب العالمية الأولى، فقد كانت القوة القائمة بريطانيا العظمى والقوة الصاعدة ألمانيا.

ويحذر أليسون مع خوفه الذي يبدو جلياً فيما يعرضه من أرقام وبيانات حول الصين، كما يتجلى في مقالته (أمريكا رقم 2؟ وتقدم الصين يتزايد)، المنشورة في صحيفة (The Boston Globe) في 21 أيار 2017، فهو يشير إلى أنه من بين أفضل عشر جامعات للهندسة في العالم، توجد أربعة في الصين وأربعة في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي مجال العلوم والتكنولوجيا والهندسة، والرياضيات، يتخرج في الجامعات الصينية أكثر من أربعة أضعاف عدد الخريجين في الولايات المتحدة الأمريكية (مليون وثلاثمئة ألف مقابل ثلاثمئة ألف). ويقول: (وفقاً لبيانات البنك الدولي، في عام 2016، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للصين 21 تريليون دولار أمريكي، بينما كان الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي 18.5 تريليون دولار أمريكي، وفقاً لتعادل القوة الشرائية). ويضيف: (على الرغم من تباطؤ اقتصادها تنمو الصين حاليا بوتيرة أسرع من الولايات المتحدة الأمريكية بثلاث مرات. لم يحدث من قبل أن صعدت أمة بسرعة كهذه في العديد من الأبعاد. عندما أصبح رونالد ريغان رئيسا في عام 1981، كان الاقتصاد الصيني يعادل 10٪ فقط من حجم الاقتصاد الأمريكي، وبحلول عام 2014، قفز إلى 100%، وحاليا وصل إلى 115% من حجم الاقتصاد الأمريكي. إذا واصل الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد الصيني النمو بالوتيرة الحالية نفسها، فإن اقتصاد الصين سيكون أكبر بنسبة 50% من الاقتصاد الأمريكي في 2023، وبحلول عام 2040، سيكون أكبر ثلاث مرات).

وضع أليسون أكثر من ٢٠ معياراً للمقارنة الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة في محاضرة عام ٢٠١٥، وقام بطرحها على الحاضرين، وكانت معايير عن استهلاك الطاقة والإنترنت والبترول وحجم التأثير في التجارة الدولية، واللافت والمفاجئ كان هو تفوق الصين على الولايات المتحدة في جميع المعايير سنة ٢٠١٤، وتوصل إلى خلاصة أنه بالرغم من التفوق الأمريكي حالياً، لكن الصين قامت بقفزة نوعية غير مسبوقة في سنوات قليلة، هذه القفزة لو استمرت لعشر سنوات أخرى، فمن المؤكد أن الصين سوف تتجاوز الولايات المتحدة على الصعد كافة.

يقول الكاتب البريطاني مارتن جاك في كتابه (عندما تحكم الصين العالم.. نهاية العالم الغربي وميلاد نظام كوني جديد)، الصادر في عام 2009: (إن الوعي بمصاعب المستقبل في الصين مدهش للغاية.. أعتقد أن الصين منضبطة ومنظمة ذاتياً بشكل استثنائي، وحذرة فيما يتعلق بالطريقة التي تنتهجها، وخاصة منذ نهاية سبعينات القرن الماضي). ويخلص مارتن، الذي يتوقع أن تصبح الصين أكبر اقتصاد في العالم بحلول سنة 2050، إلى أن صعود الصين يعني إحياء الثقافة الصينية واستعادة الصين لموقعها كواحدة من الحضارات الكبرى. والسؤال هو: هل يمكن لدولة منضبطة لديها كل هذه الحكمة أن تقع في فخ ثوسيديدس؟

سيناريوهات كثيرة يتم تداولها، لكن المؤكد أن الصين تملك أدوات المواجهة، وهي ليست فقط لاعباً كبيراً على الساحة الدولية، وإنما هي أكبر لاعب في التاريخ. هناك مجموعة من الحقائق وعدة تفسيرات، والواضح أن الولايات المتحدة تشعر بقلق كبير، وهذا هو سرّ الجنون الأمريكي والعداء الواضح، ومن المؤكد أن الصين إذا استمرت بهذا الصعود لن تكون منافساً فقط للولايات المتحدة الأمريكية، وإنما ستتجاوزها ومصير العلاقة بين البلدين قد يكون التعايش كما حصل سابقاً مع بريطانيا القائمة وأمريكا الصاعدة، أو الحرب كما يرى البعض، وقد يتوقف على عوامل كثيرة منها نتائج جائحة كورونا.

العدد 928 - 23/09/2020