تصريحات ضبابية.. ما هكذا تورد الإبل!

الدكتور سنان علي ديب:

خلال الحرب وما قبلها كثرت التصريحات البعيدة عن الواقع والمثبطة للهمم والباعثة للاستخفاف والاستهزاء، والمساهمة في تعويم رأي كبير مستنكر ومستهجن، وظنون وكأنها تصريحات مقصودة وضمن سياق تكريس توسيع فجوة الثقة بين المواطن والمسؤولين، ويبقى صدى التصريح واتساع مدى تأثيره وانعكاسه يستند على الشخص الذي يصدر عنه وعلى الموضوع المثار، وكم من أمثلة عديدة قبل الحرب الكونية عبر التهيئة لفرض أجندة اقتصادية كانت مدخلاً سلبياً لما وصلنا إليه. فكلنا كان يسمع ويقرأ عن ما سمي الدعم، والتضليل بتكلفته ووجوب العدالة في توزيعه، علماً أن المؤشرات الاقتصادية الاجتماعية لبلدنا كانت متميزة على مستوى المنطقة: ميزان تجاري رابح، وأمن غذائي، وصناعات متفوقة متعددة، وسياحة متميزة، وكان التعليم والصحة بشكل مجاني وفي طور السعي لتحسين جودتها، وظل هناك جدال وصراع قوي بين رافضي التغيير والمصرين عليه بشتى الأدوات، ومنه التصريح الخطير سنقيم سوق مالية ولو على لوح طبشور ولكن بالمحصلة مُرّرت رغبات وأجندات خالفت النهج المتفق عليه كاقتصاد سوق اجتماعي. وقد يكون علاجاً صحيحاً لو طبق، لكن طُبق نهج أبعد ما يكون عن خصوصية بلدنا. وتستمر ثقافة التصريحات المستفزة والبعيدة عن الواقع في أجواء مأساوية، ومنها ما كان يعبر عن سعر الصرف وصوابية السياسات النقدية، وكذلك عن كفاية الأجر في ظل تضخم متصاعد، وفي ظل فجوة كبيرة بين المستوى العام للأسعار ومتوسط الأجر، وباعتراف المكتب الإحصائي كانت الأسرة المؤلفة من ٥ أشخاص بحاجة إلى متوسط دخل ٣٠٠ ألف ليرة/ شهرياً، عندما كان التضخم حوالي ١١٠٠ وسعر الصرف حوالي ٣٧٠ لكل دولار، ولم يستطع وقتذاك المسؤول من القول إن إمكانيات الدولة غير قادرة وإن المؤشرات الاقتصادية ستتأثر في ظل فوضى الأسعار وعدم القدرة على ضبطها، وفشل وزارة حماية المستهلك لتي أخطأ مسؤولوها بتصريحات، ومنها عدم وجود صلاحيات لفرض أسعار، وإنما حرية السوق متناسين أو جاهلين أنه في ظل الأزمات وفي ظل القدرات المحدودة للدولة وتحكم بعض المحتكرين لا حرية للسوق ومن الخطأ تركه من دون ضبط وضوابط. ويعود موضوع الراتب كاف بحيث يصرف ضمن عقلانية، ويعود المسؤول ليتكلم عن وجوب التقشف الذي هو واجب في زمن الكوارث، ولكنه تكلم في ظل استمرار استيراد الكماليات والسيارات المرفهة، وفي ظل الرحلات السياحية الاستجمامية وكأن هناك فريقاً يحق له كل شيء مهما كانت الظروف، وفريقاً عليه التضحية بالدم والعرق وبالغذاء، ثم صدر تصريح للشخص نفسه إن حجم تهرب كبار التجار يفوق ٧ مليارات، وإن حجم الفساد في وزارة المالية كبير وإن فيها موظفين يساهمون بزيادة التهرب! وكان تصريحاً واقعياً وبنّاءً لو أُتبع بإجراءات صحيحة لمحاسبة موظفيه وملاحقة المتهربين من الضرائب بأساليب كثيرة، علماً أن المبلغ المصرح به للفساد والتهرب الضريبي كان ألف مليار قبل الحرب.

وفي الأشهر الأخيرة، في ظل تكالب عدواني لجعل بلدنا فاشلة عبر استخدام كل الأساليب الاقتصادية من حصار وعقوبات وافتعال أزمات مترافقة بما خلفه كورونا، في ظل فشل ذريع في ضبط الأسعار التي تضاعفت، وفي ظل قدرة شرائية محدودة، وبدلاً من التصريحات المخففة الباعثة للأمل، نرى تشخيصات وتصريحات مثبطة مستفزة وغير مسؤولة، كمن يرى كومات من القش ويرمي أعواد الثقاب بينها، في ظل ظروف معيشية صعبة وحملة إعلامية ارهابية قاسية، لتكون هذه التصريحات حالة ضبابية من حيث إن كانوا يعلمون فهي مصيبة وإن لم يكونوا على علم فالمصيبة أكبر.

من المؤكد أن أي علاج لأمراضنا الاقتصادية يجب أن ينطلق من الواقع الصعب، وأن يكون عادلاً للجميع، ولسنا بحاجة إلى وصفات كمن يرمي الزيت على النار.

فتصريحات كهذه تزيد الأمراض ولن تساعد على الشفاء.

من المؤكد في ظل فوضى الأسعار النيرانية، وفي ظل لعب إعلامي خارجي على تثبيت سعر الصرف، وخاصة بعد المرسومين الذين يجب تفعيلهما بقوة، ووسط تسليط إعلامي ضمن هذا الوضع لا فائدة من زيادة الرواتب والسير بأسلوب المنح أقوم وأفيد وأكثر تحريكاً للسوق الذي يجب أن يضبط بالقوة قوة الحكومة في تنفيذ القانون.

نقول لمسؤولينا: لا نفع للتقشف لأنه لم يبقَ شيء يمكن الاستغناء عنه، ورغم قسوة التقشف وسط جشع المحتكرين والوسطاء ووسط تخاذل المتخاذلين لا تكفي أكبر الأجور، ورغم معاناة العوز ونار الجشع والأسعار.

من الضروري اعتماد العقلانية بالخطابات المتناسبة مع الوضع والمشجعة للمواطن، والابتعاد عن أي خطابات استفزازية في ظل استشراس الأعداء المتربصين.

العدد 912 - 20/5/2020