مخاطر متزايدة للأمن المائي في سورية (2)

صفوان داؤد:

أدت موجة الجفاف في سورية عام 2010، إلى تآكل مساحات واسعة من الأراضي البعلية والمروية على حد سواء، وخرجت مساحة تقدر بـ 300.000 هـكتار من الزراعة البعلية من الإنتاج. وبحسب بيانات الخطة الوطنية للتصحر، المنشورة على موقع وزارة الإدارة المحلية والبيئة، أنه تبع موجة الجفاف هذه ظاهرة الانجراف الريحي، وقُدّرت مساحة المناطق التي تأثرت بهذه الظاهرة بحوالي 25% من مجموع أراضي البادية السورية. ومن المعروف أن زيادة التبخر عن حد معين تنتج ظاهرة الانجراف الريحي، وتؤدي إلى تدهور المحاصيل الشتوية مثل القمح، الذي يعتمد نجاح زراعته على وفرة المحتوى الرطوبي للتربة. ويقول علماء إن هذا المحتوى ونتيجة الجفاف ينخفض بشكل آلي لأنه يُعتبر مستجيباً فيزيائياً حساساً لزيادة نسبة الانجراف الريحي. ولأول مرة منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي ونتيجةً للجفاف اضطرت سورية لاستيراد القمح، بعدما انخفضت الكميات المحصودة إلى ما دون 2.1 مليون طن، مع استهلاك محلي مُقدر بنحو 3.8مليون طن، وبلغت عام 2018 نحو 2.2 مليون طن. كذلك انخفضت حصة الإنتاج الزراعي من الناتج المحلي الإجمالي السوري من 25% عام 2003 إلى 17% عام 2008، قبل أن ترتفع إلى 39% عام 2017 بسبب تضرر حصص الإنتاج الأخرى. بالعموم نورد أهم سمات الحالة المستمرة لتغير المناخ في سورية هي ارتفاع معدل درجات الحرارة، انخفاض في معدل الهاطل المطري، اضطراب في شدته وتوزعه، تكرار موجات الجفاف، والهجرة أو النزوح الجماعي الناشئة عنها.

الخطر الثاني المرتبط بالأمن المائي والذي له تأثير كبير على الاستثمار الأمثل للمخزونات المائية هي جودة وكفاءة الإدارة، وهي للأسف، كما في معظم القطاعات الأخرى إدارات غير مُتمكّنة وغير فعّالة وتتميز بضعف كوادرها، على سبيل المثال نسبة المتعلمين من كوادر مؤسسات الري العاملة في حوض الفرات قليلة في حين أن 40 إلى 60% منهم لم يتجاوز مرحلة الإعدادية (تقرير قطاع المياه الأساسي، دمشق 2009). كما أن العديد من المسائل القانونية والتقنية المتعلقة بالفساد والمرتبطة بإدارة شبكات الري أو السدود وتنفيذها عالقة منذ سنوات، منها على سبيل المثال سدّا السخابة وبرادون في محافظة اللاذقية.

إن مخاطر الندرة المائية تحكم على متخذي القرار في سورية بالعمل الجدي والمدروس لتبنّي استراتيجيات مائية غير تقليدية، إذ تتوقع مراكز بحوث عالمية أن المناطق الواقعة على خط الفقر المائي ستشهد انخفاضاً في ناتجها المحلي بنحو 6% بسبب خسائر مرتبطة بنقص المعروض المائي في قطاعات الزراعة والصحة والممتلكات. يجب أن يكون هناك إدراك بأهمية معالجة قضية تُعتبر بحق قضية حياة أو موت، هي قضية الأمن المائي عبر ثلاثة مستويات؛ هي الاستراتيجيات والنظام المؤسساتي، التقانات المحدثة، أطر الدعم والتحفيز. لكن كل ما سبق لن ينفع دون الوصول إلى تغيير عميق في الثقافة السياسية السائدة حالياً. ومن الضرورة بمكان أن نفهم أن المحافظة على الأمن المائي مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بإعادة الحيوية السياسية للبلاد.

الوقائع الاقتصادية والإيديولوجية تغيّرت كثيراً خلال العقود الماضية، فيما بقيت ثقافتنا السياسية مصمتة وجامدة. الثقافة السياسية المحلية حالياً هي ثقافة شبه ميتة وغير قادرة على التعامل مع عالم اليوم. ففي الوقت الذي نجد مثلاً مستشارة ألمانيا تصنع التاريخ، نجد في بلادنا مستشارة تتحدث عن التاريخ. الثقافة السياسية لا تنشأ من الحديث والثرثرة عن الماضي، بل تنشأ من الوقائع المادّية التي تزودنا بإدراك واضح للمتغيرات في العالم، بنظرة محدّدة لبناء حياة أفضل وأكثر رفاهية للإنسان. السائد حالياً هي مجموعة من المرتكزات الإيديولوجية وشبكة من توازنات القوى مُسلّم بصحّتها. لكن هل فعلاً هذه المسلمات والمرتكزات هي صحيحة الآن؟ إذا كانت كل الدلائل المادية التي تمس حياة المواطن السوري تشير إلى عكس ذلك. وهو يرى أن الحكومات المتعاقبة لم تستطع ترميم تصدعات بدأت عام 2011 وهي الآن تزداد اتساعاً. إنه يرى أن ثمة شيئاً ينهار تحت وطأة الأزمات، المعيشية، والاقتصادية، والصحية، والهجرة، والنزوح.

نعتقد شخصياً أن أزمة المياه ستكون القاطرة التي ستدفع كل شيء إلى الهاوية. إن من شأن ثقافة سياسية جديدة قائمة على أن ننظم ونحكم أنفسنا على المستوى الجماعي، تعتمد النهج الديمقراطي وتبتعد عن احتكار القرارات، أن تحدد الاستفادة المثلى من الموارد المتاحة، وأن تحدّد الإطار الصحيح للاستراتيجيات التي نسعى لتحقيق تغيير ما من خلالها. ونجزم هنا أن استراتيجيات الأمن المائي هي بشكل أو بآخر الأشد أهمية في حياة أي مجتمع.

لقد أثبتت الأزمة السورية أنه في بعض المسائل المتعلقة بالأمن الوطني أن خياراتٍ ما هي خارج إمكانات الدولة، وتحكُمها بشكل أو بآخر موازين قوى إقليمية أو دولية، ولا يمكن التغلب عليها إلا تحت نظام سياسي مستقر وفاعل مجتمعياً. والأمن المائي في سورية مرتبط ارتباطاً وثيقاً بشكل العقد السياسي المستقبلي، وبجودة وفعالية النظام المؤسساتي. وإذا قمنا بمقاربة للوضع الحالي سنجد أن سورية ستخسر أمنها المائي إذا بقي القرار السياسي مُحتكراً من قبل اتجاه سياسي واحد، وبقيت المؤسسات السورية رازحة تحت وطأة البيروقراطية والفساد.

العدد 922 - 12/08/2020