معركة أوكيناوا الدموية وصخرة السلام – من آخر المعارك قبل نهاية الحرب العالمية الثانية – والنصر على الفاشية

يوسف فرحة:

بدأت معركة أوكيناوا في الأول من نيسان عام 1945 وانتهت خلال 83 يوماً (يوم 22 حزيران 1945). كانت آخر المعارك على أرض أوكيناوا خلال الحرب العالمية الثانية، والأكثر دموية على المحيط الهادي، فقد أحضر الأمريكيون حوالي 1500 سفينة حربية، وأكثر من نصف مليون جندي، لغزو الجزيرة التي دافعت عنها القوات اليابانية ومواطنو الجزيرة البالغ عددهم 450 ألف إنسان قبل بدء المعارك (القوة العسكرية اليابانية شجعت المدنيين على النزوح إلى الجزء الشمالي من الجزيرة أو إخلائها بشكل كامل، لكن ذلك كان متأخراً). السفينة ( تسوشيما مارو) سفينة النقل اليابانية، غادرت مرفأ ناها في آب 1944 محملة باللاجئين الأوكيناويين متجهة إلى البر الياباني، لكن وبسبب استخدام اليابانيين السفن نفسها لنقل القوات والأسلحة إلى أوكيناوا، كما فعلوا بإخلاء اللاجئين، فإن المدمرات الأمريكية قامت بإغراق السفينة (تسوشيما مارو) بعد مغادرتها المرفأ بوقت قصير. قُتل من اللاجئين الأوكيناويين 1375 لاجئاً من ضمنهم 777 طفلاً وسرعان ما توقفت عملية نقل اللاجئين بعد ذلك، تاركين حوالي 300 ألف من سكان الجزيرة في أسوأ الظروف المأساوية. الجيش الإمبراطوري الياباني جند 110 آلاف من أبناء الجزيرة منهم 2300 كانوا أطفالاً بعمر 14 عاماً فما فوق من طلاب المدارس المتوسطة والثانوية، عملوا في حفر الخنادق وبناء المطارات، ثم جُنّدوا في حرب الحديد والنار، أكثر من نصفهم قُتل في هذه المعركة. تكبدت القوات الأمريكية الغازية من أجل احتلال بعض التلال احتاجت إلى أكثر من أسبوعين وكلفت المئات من الأمريكيين وآلاف من اليابانيين، خلال المعركة عانى المدنيون الأبرياء وقُتلوا. الجنود اليابانيون غالباً طردوهم من المقابر الآمنة ومن الخنادق وأجبروهم على حمل السلاح والخروج لتأمين الغذاء والماء تحت القصف. الآلاف من سكان أوكيناوا قتلوا بواسطة السفن والطائرات الحربية الأميركية، عندما فرَّ اللاجئون جنوباً مع تراجع الجنود اليابانيين فيما أصبح يعرف بـ(إعصار الفولاذ) تقريباً ثلث سكان الجزيرة قُتلوا من الرجال فوق سن الثامنة عشرة. جيش الإمبراطورية اليابانية لم يستسلم وهو يتراجع طوال الطريق إلى الطرف الجنوبي من الجزيرة. في نهاية المعركة 12274 جندياً أمريكياً و110000 جندي ياباني قتلوا. القتال الوحشي على أوكيناوا وإصرار اليابانيين على القتال حتى آخر رجل على ما اعتبروه تربة يابانية، ما جعل الجنود والقادة الأمريكيين على حد سواء يعتقدون أن غزواً واسع النطاق للبر الرئيسي لليابان سوف يكلف أرواح مليون جندي أمريكي، وحتى آخر جندي ومواطن ياباني. ويعتقد العديد من المؤرخين العسكريين الآن أن الدروس المستقاة من معركة أوكيناوا كانت عاملاً مباشراً في قرار الولايات المتحدة لإلقاء القنابل النووية على هيروشيما وناغازاكي بعد شهرين، الأمر الذي دفع اليابان إلى الاستسلام غير المشروط.

استعمرت الولايات المتحدة جزيرة أوكيناوا بعد الحرب العالمية الثانية وحتى عام 1972 فأعادتها إلى السيادة اليابانية، لكن القواعد الأمريكية حتى اليوم تشكل الجزء المهم من الاستراتيجية الدفاعية في أقصى الشرق.

أوكيناوا اليوم موطن لاثنتين وثلاثين منشأة عسكرية أمريكية تشغل ما لا يقل عن 20% من الجزيرة. عام 2012 وافقت أمريكا على تخفيض عدد الجنود الأمريكان على الجزيرة، لكن بقيت القواعد والسفن والجنود.

ملايين القذائف والقنابل ألقيت على أوكيناو من الجانبين، مازالت هناك منذ نهاية الحرب وحتى عام 1981 أكثر من 6000 طن تم اكتشافها من الذخائر غير المتفجرة، ويقدر المسؤولون أنه ربما تأخذ ستين أو سبعين عاماً لتنظيف الجزيرة من هذه الذخائر.

اليوم أوكيناوا هي جنة على الأرض، وسكانها من بين الأطول عمراً على الأرض، وفي الطرف الجنوبي منها في موقع القتال الأخير يقف نصب تذكاري يسمى (صخرة السلام) عليها لائحة سجل فيها أسماء كل الذين قتلوا خلال المعارك من اليابانيين والأمريكيين والأوكيناويين من عسكريين ومدنيين على حد سواء، إنه للذكرى ولكن ليست للحرب وإنما ذكرى للسلام ولتكريم الضحايا.

كندا 2 أيار 2020

المؤلف (آلان  كراتز)

العدد 917 - 1/07/2020