تخبّط وفساد تجاوز الـ 7 درجات على مقياس ريختر.. هزات صغيرة ومتوسطة وزلزال محتمل

يونس الخطيب:

شهدت المنطقة مؤخراً نشاطاً زلزالياً كثيفاً، فقد سجلت محطات الرصد الزلزالي التابعة للمركز الوطني للزلازل ما يقارب 950 هزة منذ  بداية عام 2020 تراوحت شداتها بين الصغيرة والمتوسطة، وتركزت هذه الهزات قبالة المنطقة الساحلية في البحر الأبيض المتوسط بمسافة 30 -50 كم تقريباً شمال– غرب اللاذقية، وكانت أقواها بشدة قدرها 4.7 درجات على مقياس ريختر، وعمق 10 كم، بتاريخ 15 نيسان، و4.8 درجات على مقياس ريختر وعمق 10 كم بتاريخ 3 نيسان، تبعد مسافة 50 – 41 كم، على التوالي، عن مدينة اللاذقية، وقد شعر بها معظم سكان المدن السورية .

من المعروف أن الهزات الأرضية هي أمر طبيعي ضمن سعي القشرة الأرضية للاستقرار، بعد تراكم الضغوط والاجهادات التكتونية الناتجة عن الحركة المستمرة للصفائح التكتونية، وتفرّغ هذا الطاقة المتراكمة على شكل هزات وزلازل بشدات مختلفة:

مقياس ريختر الوصف تأثير الزلزال تكرر حدوثه في الارض
أقل من 2.0 دقيق زلازل دقيقة لا يمكن أن يحسّ بها إلا الحيوانات. حوالي 8,000 يومياً
2.0-2.9 صغير جداً لا يشعر به البشر ولكن ترصد الأجهزة. حوالي 1,000 يومياً
3.0-3.9 خفيف يشعر به البشر، لكن قلما يسبب ضرراً. 49,000 سنويا (تقديري)
4.0-4.9 يشعر البشر بهزة مع تحرك الأشياء وظهور صوت للزلزال، لكنه لا يسبب ضرراً. 6,200 سنويا (تقديري)
5.0-5.9 معتدل المباني الضعيفة قد تتضرر بشكل كبير ولكن المباني القوية لا تتضرر كثيراً. 800 سنويا
6.0-6.9 قوي يمكن أن يسبب ضرراً كبيراً حتى 160 كم عن نقطة حدوثه (100 ميل) 120 سنويا
7.0-7.9 كبير يمكن أن يسبب أضراراً كبيرة على مساحة كبيرة. 18سنويا
8.0-8.9 عظيم يمكن أن يسبب أضراراً كبيرة حتى مئات الأميال عن نقطة حدوثه. 1 سنويا
9.0-9.9 يمكن أن يسبب أضراراً كبيرة حتى آلاف الأميال عن نقطة حدوثه. مرة لكل 20 سنة
10.0+ خارق لم يحدث إلى الآن.   نادر (غير معروف)

وهذه الزلازل تنشط بشكل رئيسي عند حدود الصفائح التكتونية، وبلاد الشام تقع عند ملتقى كل من الصفيحة العربية والإفريقية والأوراسية والأناضولية.

 وهذا ما يجعلها محاصرة بمجموعة من الفوالق والمنابع الزلزالية، وأهمها:

  1. فالق البحر الميت:

الذي يمتد من البحر الميت جنوباً مروراً بانهدام البقاع غرباً وصولاً إلى انهدام الغاب وصدع شرق الأناضول شمالاً، وهو ناتج عن الانزياح الجانبي للصفيحتين الإفريقية والعربية.

  • فالق شرق الأناضول:

يقع شمال وشمال_ غرب سورية باتجاه شمال – شرق، وهو ناتج عن الانزياح بين الصفيحتين العربية والأناضولية.

  • الحدود التصادمية بين الصفيحة العربية والأوراسية:

تقع شمال سورية وهي المولدة لجبال زاغروس

  • فالق القوس القبرصي:

الممتد شمال وجنوب قبرص إلى شمال_ غرب مدينة اللاذقية.

وبالعودة إلى التاريخ الزلزالي للمنطقة نجد أنها كانت حافلة بالنشاط الزلزالي، ولكنها كانت تمر بفترة هدوء نسبي خلال المئتي عام الماضيتين، وقد كانت آخر الزلازل القوية والمدمرة التي ضربت سورية قديماً قد حدثت في الأعوام (1759 – 1408 – 1202 – 1170 م) وقد تجاوزت شدتها 6.5 درجات على مقياس ريختر، فقد خلّف آخر زلزال عام 1759 م الذي كانت بؤرته مدينة بعلبك أضراراً بشرية وعمرانية كبيرة في دمشق.

ويؤكد كل من التباعد الزمني بين الزلازل (بحدود 250 عاماً) ومجمل الدراسات الزلزالية للمنطقة وتسجيلات الرصد الزلزالي خلال العقدين الماضيين انتهاء فترة الهدوء النسبي للمنطقة، وهذا ما ينذر بحدوث زلزال مدمر رغم عدم يقينية ذلك.

وبالطبع ليس خافياً على أحد أن جميع الدراسات الزلزالية في العالم غير قادرة على التنبؤ بموعد ومكان حدوث الزلزال بشكل دقيق، لكن الدراسات الإنشائية والمعمارية أصبحت قادرة على وضع دراسات دقيقة لتخطيط المدن والتجمعات السكنية والصناعية وهندسة الأبنية والمنشآت وتنظيم عمليات الترميم مراعيةً فيها جميع عوامل الأمان والوقاية من الزلازل.

وبجولة سريعة في أحياء العاصمة دمشق، وحالها حال باقي المدن، يتبين للناظر ضعف البنية المعمارية والإنشائية وبالأخص في الأحياء العشوائية التي تغطي مساحة كبيرة وتعتبر الأكثر كثافة سكانية، فكيف لحي ركن الدين أن يصمد مثلاً أمام أي هزة وهو الذي يتصدع في أوقات (الخير) والهطولات المطرية العالية.

ونحن نلاحظ أن المشاكل السكنية لدينا كثيرة منها مشاكل إنشائية، مثل غياب أو تجاوز الدراسة التحليلية لميكانيك التربة وعدم الأخذ بالحسبان العوامل الطبيعية بشكل جدي ومدروس مثل (الرياح والأمطار وحركة الارض….)، والسماح بمراكمة أوزان إضافية على الأبنية (مصعد – ملحق – مرآب – خزانات – شرفات …) دون مراعاة قدرة الأبنية على التحمل.

ومشاكل معمارية كتعديل تصاميم وتوزيع الأوزان داخل أو حول الأبنية بشكل عشوائي، وإضافة أو إزالة فتحات وتمديدات جديدة في الأبنية.

ومشاكل تخطيطية ناتجة عن مراكمة أخطاء تخطيطية متلاحقة وعدم متابعة تنفيذ المخططات إلا ما ندر، بسبب البيروقراطية والفساد وبسبب النمو السريع لمناطق المخالفات، وقلة المسافات بين الأبنية والنقص الحاد في المساحات الخضراء وضيق الشوارع وكثرة المشاكل المرورية.

وما دامت هذه المشاكل بحاجة إلى فترة زمنية طويلة لحلها، يبقى المطلوب اليوم اتخاذ إجراءات وقائية سريعة:

إطلاق حملة توعية ونشر التعليمات للإجراءات الواجب اتخاذها من قبل الأفراد داخل الأبنية وخارجها عند حدوث الزلزال.

– تخفيف منسوب المياه في السدود.

– الإعداد لإخلاء المناطق الساحلية المنخفضة خشية حدوث موجة تسونامي.

– الإعداد لإخلاء المناطق المنخفضة المواجهة للسدود.

– تدريب وتجهيز فرق متطوعة في الأحياء وبالأخص العشوائيات تكون قادرة على مساعدة فرق الدفاع المدني بعمليات رفع الأنقاض بعد الزلزال.

إن المسؤول الأساسي عن المشاكل السكنية وغيرها من آلاف المشاكل التي يعاني منها السوريون هو الحكومات المتعاقبة وعرّاب (اقتصاد السوق) عبد الله الدردري، هذه الحكومات التي ساقت البلاد حافيةً خلف نصائح صندوق النقد الدولي وأغرقتنا في السياسات النيوليبرالية التي حولت الحكومة من المخطط والموجه للاقتصاد والمعبر عن مصالح الجماهير، إلى الحامي لمصالح قلة من التجار والريعيين المتسابقين خلف الربح السريع على حساب الوطن والجماهير؛ فأضرّت بالزراعة والصناعة، وأفقرت الغالبية العظمى للجماهير، ودفعت معظم السكان للهجرة الى المراكز التجارية في المدن عابرين أزقة يملؤها الطين لإيجاد 50 متراً مربّعاً بجدران وأسقف متهالكة تأويهم.

وبالمقابل راكمت الثروات في جيوب قلة من التجار والفاسدين الذين تملّكوا (أرقى) المنازل بما يفيض عن حاجتهم، وبات واضحاً أن الاستمرار بهذا النهج، بعد غياب الدردري وصندوق النقد الدولي، أن القلة المتحكمة والمستفيدة من هذا الفساد الاقتصادي أصبحت متمسكة أكثر وأكثر بمنابع ثرواتها غير آبهين بمصير البلاد وحياة الجماهير.

واليوم، بعد 9 سنوات من الحرب، إضافة إلى الأزمة الخانقة التي فرضتها تداعيات مواجهة انتشار فايروس كورونا، والهزات المتكررة التي تنذر بحدوث زلزال، أصبحنا غير قادرين على سماع تطمينات سبق أن كذّبتها الوقائع، بل نحن بأمسّ الحاجة إلى خطوات جدية وعملية تنقذ البلاد وتحمي لقمة المواطنين، وتصون كرامتهم.

العدد 928 - 23/09/2020