الخيط الرفيع بين العلاقات الروسية – التركية

صفوان داؤد:

إن المراحل التاريخية للعلاقات بين موسكو وأنقرة لها إسقاط كبير على الحاضر، وطالما كانت مُسطّرة بالدم كما كانت مُسطّرة بالتعاون، ولا يمكن ابداً فصل ماضي هذين البلدين عن حاضرهما.

اعتبرت روسيا نفسها وريثة الإمبراطورية البيزنطية، في مواجهة إمبراطورية عثمانية قادت العالم الإسلامي لقرون، ضمن هذا الاستقطاب بقيت العلاقات على الدوام صعبة المراس ومتوترة، ومازال مضيق البوسفور العلامة الفارقة. وكان أن ابتكر السفراء الروس بحكم احتكاكهم المتواصل عادة البقاء واقفين قبل دخول السلطان التركي عند الاجتماع به، حتى لا يضطروا للوقوف عند دخوله، حتى أن أحد السفراء الروس وقبيل حرب القرم قد ضُرب لأن انحناءته لم تكن مناسبة.

 في عام 1775 هزمت كاترين الثانية العثمانيين، وبدأت بعدها سلسلة من الحروب بين الطرفين قاربت نحو ست عشرة حرباً، انتصرت روسيا في جميعها. وانتهت هذه الحروب بطلب أنقرة من الولايات المتحدة الانضمام إلى حلف (الناتو)، للحصول على توازن مع الجارة اللدود روسيا، على خلفية طلب الزعيم ستالين من أتاتورك عام 1947 أن يكون للاتحاد السوفياتي وجود دائم في مضيقي البوسفور والدردنيل. هكذا تتحكّم الجغرافيا بتاريخ الأمم، وعادت روسيا وتركيا إلى المواجهة مرة أخرى لكن هذه المرة على الأرض السورية.

إن التقدم الكبير الذي حققته تركيا في المؤشرات الاقتصادية والتنموية، واستلام السلطة التركية من قبل قياديين لهم نزعة إسلامية ذات مضمون قومي شبيه بالطورانية، دفع أنقرة إلى التفكير العملاني نحو التوسع باتجاه المشرق العربي الذي عانى بعد ثورات (الربيع العربي) من فراغ استراتيجي نسبي. أخذت تركيا بشكل عام دوراً وظيفياً بالتعاون أو الاستقلال الكامل عن الولايات المتحدة والغرب، من جهة، وعن روسيا وإيران من جهة أخرى، في استغلال شروط الأزمة السورية بما يتناسب ومصالحها العليا نحو هدف واحد محدد هو نفوذ تركي صريح في النظام الحاكم الجديد المُفترض لسورية، مع استقطاع أجزاء من الاراضي السورية_ إن أمكن_ على نموذج شمال قبرص (شريط أو جيب حدودي) يتحول مستقبلاً إلى جزء لا يتجزأ من تركيا تشغله بنية ديموغرافية إسلامية واضحة.

لكن خلال امتداد الأزمة السورية كانت روسيا قد وقّعت اتفاقات بعيدة المدى مع الحكومة السورية، واستطاعت ايضاً ضم جزيرة القرم وأصبحت حدودها مباشرة على البحر الأسود، ما اضطر الجيش التركي إلى سحب قواته البحرية إلى بحر إيجه خوفاً من مجابهة غير محسوبة النتائج.

 حالياً ومع ثبات القوة العسكرية والسياسية لموسكو في سورية باتت روسيا تطوّق أنقرة من الشمال والجنوب.

هذه الوضع الجيوسياسي الشبيه بالحصار أوقع السياسة التركية في هواجس الخطر، ودوافع خوف وإرباك ظهرت جلياً في الآونة الأخيرة من القرارات غير المدروسة التي اتخذها حزب العدالة والتنمية الحاكم ودفعِهِ بالجيش التركي إلى مواجهة مباشرة مع الجيش السوري، ودفعِهِ كذلك، وبشكل لا أخلاقي، باللاجئين السوريين نحو أوربا.

هنا سبق السيف العذل، فقد أخطأ السيد رجب طيب أردوغان الخطأ الجسيم عندما لم يقدِّر الحجم الجيوسياسي لروسيا، كما لم يقدِّر الحجم الجيوسياسي لأوربا.

 وثبت كما هو متوقع أن سياق العلاقات غير الاقتصادية بين موسكو وأنقرة لا يمكن أن تكون متلاقية، وأن الجيش الروسي مازال يصرّ على الحل العسكري والضغط ميدانياً، على حساب تقهقر المعارضة السورية المسلحة المدعومة من تركيا.

هكذا تعود الجغرافيا وتحكم قدراً للعلاقات الروسية التركية، وهي كانت وماتزال تحكم المُسلّمات الجيوسياسية الأساسية لروسيا، وهي حتمية الرفض الروسي لأن تُحاصر بجغرافيتها القارية وأن تتحول إلى دولة إقليمية (كبيرة). ولمنع هذا التحول والبقاء ضمن الحضور العالمي لموسكو بابان: مضيق البوسفور، وشرق المتوسط أي سورية.

 هنا لا يمكن للروسي أن يثق بالتركي، فأحلام التوسع العثمانية مافتئت تدغدغ حاكم الباب العالي السيد أردوغان وتطفو على السطح البديهة التاريخية للكرملين: كلّما قويت تركيا كلما شعرت روسيا بالخطر.

 ومنذ عام 1915 عندما وافق نيقولا الثاني على اتفاقية (سايكس بيكو) ممثلاً بوزير خارجيته آنذاك سيرغي سازانوف أصبحت هذه البديهة معياراً للعلاقات الروسية التركية. ومؤشراً غير مباشر على توتر في التوازن الدولي بين روسيا والغرب، الذي تمثل أنقرة فيها حربة حلف الناتو ضد روسيا.

إن طبيعة العلاقات بين روسيا وتركيا المحكومة بقوة التاريخ والجغرافيا، هي سهلة التورم بالطموحات التوسعية لكلا البلدين، ضاربةً فيها حنين الطموحات الإمبراطورية، وجاعلة من اللعب عند حواف الحرب مكاناً ضيقاً ووحيداً تتقاطع فيه مصالح الطرفين.

 هذا المكان_ الحافّة الذي تعب من الحرب وطموحات الآخرين، نراه الآن وللأسف على الأرض السورية.

العدد 918 - 8/07/2020