الكرد السوريون ومستقبل سورية

صفوان داؤد:

(الأكراد لم يساعدونا في الحرب العالمية الثانية، ولم يكونوا معنا على شواطئ نورماندي). هذا التصريح للرئيس الأمريكي دونالد ترامب من نهفات عالم السياسة، واعتبره كثير من المحللين واحداً من أغبى التصريحات التي قالها رئيس أمريكي على الاطلاق. لكن هذا لم يمنع حقيقة أن البنتاغون بدأ ويسعى فعلياً إلى تقليص دور الولايات المتحدة في سورية خصوصاً، والشرق الأوسط عموماً، والتقليل من حجم التزاماتها العسكرية، في استراتيجية جديدة تتبنى النأي عن التزاماتها الدولية التي كانت مسؤولة عنها سابقاً.

وتزامناً مع التحشدات التركية الكبيرة على الحدود الشمالية لسورية، سحبت واشنطن قواتها في 6 تشرين الأول من الخط الفاصل بين البلدين. وفي التاسع من الشهر نفسه بدأت تركيا اجتياحها للشمال السوري، تحت مسمى عملية (نبع السلام). بمساندة فصائل سوريّة تابعة لها. وجاءت العملية التركية بعد قصف صاروخي ومدفعي على طول نحو 400 كم غطى كامل المناطق الحدودية. وكان قد سبق العملية التركية تدمير (قوات سورية الديمقراطية) (قسد) معظم تحصيناتها على طول الحدود المشتركة وسحب الأسلحة الثقيلة والقوات القتالية، نزولاً عند رغبة الجيش الأمريكي، وبما يتفق مع الخطة الأمريكية_ التركية لتأسيس (المنطقة الآمنة)، وهو ما جعل الحدود مكشوفة وضعيفة عندما حصل الاجتياح التركي لاحقاً. كانت أهداف أنقرة تفكيك البنية العسكرية للكرد السوريين، وتغيير التوازن الديمغرافي في المنطقة، ويتمثّل المشروع التركي للتغيير الديمغرافي تحويل مناطق واسعة إلى كتل بشرية راسخة من القومية العربية، تؤدي إلى جعل الجغرافياً التي تسيطر عليها (وحدات حماية الشعب) مقاطعات معزولة، وللأسف سيدفع هذا التغيير نحو مزيد من الشروخ ما دون الوطنية.

ووفق تصريحات مسؤولين أتراك فإن نحو مليونين من أصل 3.5 ملايين لاجئ سوري في تركيا سيتم توطينهم في (المنطقة الآمنة) وهو ما سيؤدي فعلياً إلى انتهاء المشروع الكردي في سورية أياً كانت طبيعته، والاندماج مرة أخرى تحت مظلة السلطة السورية على مختلف الأصعدة. وكان أن تنجح الدولة السورية في ذلك، فقوات سورية الديمقراطية كانت قد عملت على تغيير وجه الشرق السوري سياسياً وسكانياً، وتحويل أسماء مدنها وقراها إلى أسماء كردية، وقمعت كل الأصوات المعارضة لها بين أبناء الشعب الكردي، وقامت باعتقال وترحيل المنتقدين والمنافسين المحتملين، وهو ما تجلى بوضوح في تعاملهم الأمني حتى مع أقرانهم من بقية الكرد السوريين الرافضين لكل خطوات النزعة الانفصالية العسكرية تلك. وانكشفت (قسد) على ضعف وهشاشة تحالفاتها بعد فقدان الاحتضان الأمريكي لها. وإذا عدنا إلى جوهر (التحالف) بين الأمريكي وقيادات (قسد) لوجدنا أنه أساساً لم يكن هناك تحالف، إنما شعور عاطفي للكرد بأن الأمريكي حليف لهم. وبالنسبة لواشنطن هذا التحالف ليس أكثر من تنسيق استخباراتي عسكري، وسلطة لوجستية من جانب البنتاغون على مجموعة كبيرة من القوات يتم التحكم بها عبر مجموعة صغيرة نسبياً من المستشارين والضباط. مع ذلك فإن الصوت المتمسك بالهوية الوطنية السورية والأمل بالتغيير الديمقراطي كان ومازال موجوداً، والكرد من أوائل من نادوا وتوجهوا بها إلى السلطة السورية. وفي مقابلته التلفزيونية الأخيرة، قال الرئيس الأسد إنه لن يشعر بالفخر من مصافحة أحد من الساسة الأتراك، لكن (حين يتعلق الأمر بالمصلحة الوطنية) فعلينا أن نترك مشاعرنا الشخصية جانباً. وهذه كانت إشارة مبطنة إلى تفضيل الخيار السياسي على العسكري. وأن هناك نية معلنة من القيادة السياسية في دمشق للحوار وتقديم بعض الحقوق الأساسية للكرد التي طالما طالبوا بها.

تباينات المسألة الكردية وتقاطعها مع تعقيدات المسألة السورية ككل تعكس هشاشة التوازنات الدولية أيضاً. فالأزمة السورية اليوم متشابكة بمشاريع وأجندات تصل إلى حدّ التناقض، جاعلة الاتفاقات الدولية آنية وقائمة على التعديلات الميدانية العسكرية، وهذا ما حدث في الاجتياح التركي لشرق الفرات، التي حُكماً وبالضرورة لن تؤدي إلا إلى مزيد من الشروخ الاجتماعية وإلى مزيد من عدم الاستقرار. لذلك تبقى الحقيقة في نبذ العنف، في الحوار الأخلاقي والوطني وأدواته الحية. ومهما يفعله العسكر سيبقى تحت سقف قهر القوة، لكن مفعولات التغيير هي أدوات السياسة والحوار وتغليب مفهومي الكرامة الإنسانية والمواطنة على باقي المفاهيم. وعلى النخب الوطنية السورية، خصوصاً الكرد منهم، طرح المسألة الكردية وفق معيار الهوية الوطنية السورية التي يتساوى فيها الجميع بالحقوق والواجبات دون إلغاء حق الاختلاف بكل صوره السياسية والثقافية. في غير ذلك فإن المجتمع السوري بذاته هو الخاسر، والمشروع الوطني الديمقراطي سيبقى سجين احتكار القرارات الدولية الكبرى وأدواته في الداخل السوري.

العدد 922 - 12/08/2020